قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٢ - الفصل الرابع عشر في ذكر تقسيم قيام الليل و نومه و وصف القائمين و المتهجدين
و ارتفاع مكاني لا أسكنك جبارا و لا بخيلا و لا متكبرا و لا فخورا. و ينظر إلى العرض نظرة فيتسع ألف ألف سعة و يزداد بكل سعة ألف ألف عالم منها كل عالم لا يعلم وسعه إلا الله عزّ و جلّ، ثم يهتز فيثقل على الحملة حتى يموج بعضهم في بعض و يحطم بعضهم بعضا و هم بعدد جميع ما خلق الله عزّ و جلّ و أضعاف ما خلق الله عزّ و جلّ فيقول العرش سبحانك أينما كنت و أينما تكون. فينادي حملة العرش: سبحان من لا يعلم أين هو إلا هو، سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو. و روينا عن بعض العلماء من القدماء أن الله عزّ و جلّ أوحى إلى بعض الصديقين: أن لي عبادا من عبادي يحبونني و أحبهم و يشتاقون إليّ و أشتاق إليهم و يذكرونني و أذكرهم و ينظرون إليّ و أنظر إليهم. فإن حذوت طريقهم أحببتك و إن عدلت عنهم مقتك. قال: يا ربّ و ما علامتهم؟ قال: يراعون الظلام بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه و يحنّون إلى غروب الشمس كما تحن الطيور إلى أوكارها عند الغروب. فإذا جنهم الليل و اختلط الظلام و فرشت الفرش و نصبت الأسرّة و خلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم و افترشوا إلى وجوههم و ناجوني بكلامي و تملقوا لي بأنعامي. فبين صارخ و باك و متأوّه و شاك و بين قائم و قاعد و بين راكع و ساجد بعيني ما يتحملون لأجلي و بسمعي ما يشتكون من حبي. أوّل ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم. و الثانية لو كانت السموات السبع و الأرض و ما فيهما من موازينهم لاستقللتها لهم. و الثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه. و قال مالك بن دينار: إذا قام العبد يتهجّد من الليل و رتل القرآن كما أمر قرب الجبار تعالى منه قال: و كانوا يرون أن ما يجدون في قلوبهم من الرقة و الحلاوة و الفتوح و الأنوار من قرب الرب تعالى من القلب. و في الأخبار من الجبّار عزّ و جلّ: أي عبدي أنا الله الذي اقتربت لقلبك و بالغيب رأيت نوري. و في الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ما أذن الله لشيء إذنه لحسن الصوت بالقرآن يعني ما استمع إلى شيء كاستماعه إليه. و في الحديث الآخر للَّه أشد أذنا إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته و أهل اللهو في غفلة عمّا أهل الآخرة فيه و في عمى عمّا ينظر هؤلاء الحاضرون إليه و كأين من آية في السموات و الأرض يمرّون عليها و هم عنها معرضون بل قلوبهم في غمرة من هذا. و طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون. يقال إن وهب بن منبه اليماني ما وضع جنبه إلى الأرض ثلاثين سنة كانت له مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها، و خفق خفقات ثم يفزع إلى القيام و كان يقول لأن أرى في بيتي شيطانا أحب إليّ من أن أرى فيه وسادة يعني لأنها تدعو إلى النوم. و قال رقبة بن مصقلة: رأيت رب العزة