قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٠ - الفصل الرابع عشر في ذكر تقسيم قيام الليل و نومه و وصف القائمين و المتهجدين
فإذا أصبح سرق فقال سينهاه ما تقول، و قال صلّى الله عليه و سلّم: نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يصلي من الليل قال فما فاتته بعد ذلك ليلة حتى يقوم فيها. و في الخبر: عليكم بقيام الليل فإنه مرضاة لربكم و مكفر سيّئاتكم و هو دأب الصالحين قبلكم و منهاة عن الإثم و ملقاة للوزر و مذهبة لكيد الشيطان و مطردة للداء عن الجسد. و قد جعل الله سبحانه قيام الليل من أوصاف الصالحين بقوله: يَتْلُونَ آياتِ الله آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران: ١١٣]، إلى قوله: وَ أُولئِكَ من الصَّالِحِينَ [آل عمران: ١١٤] فيستحب من قيام الليل ثلثاه و أقل الاستحباب من القيام سدسه، لأنا روينا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم لم يقم ليلة قط حتى أصبح، بل كان ينام منها، و لم ينم ليلة حتى يصبح بل كان يقوم منها. و يقال إن الصلاة أوّل الليل للمتهجدين، و قيام أوسطه للقانتين، و قيام آخره للمصلين، و القيام من الفجر للغافلين. و حدثنا عن عبد الله بن عمر قال: حدثنا يوسف بن مهران قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك براثنه من لؤلؤ و صيصيتاه من زبرجد أخضر فإذا مضى نصف الليل الأوّل ضرب بجناحه و زقى، و قال: ليقم القائمون. فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحه و زقى و قال: ليقم المتهجدون. فإذا مضى ثلث الليل ضرب بجناحه و زقى و قال: ليقم المصلون. فإذا طلع الفجر ضرب بجناحه و زقى، و قال: ليقم الغافلون و عليهم أوزارهم و قال بعض العلماء أهل الليل على ثلاثة أصناف قوم قطعهم الليل فكان هؤلاء المريدون ذوو الأوراد و الأجزاء كابدوا الليل فغلبهم قال و قوم قطعوا الليل فكان هؤلاء العالمون الذين صبروا و صابروا فغلبوه و قال قوم قطع بهم الليل فكان هؤلاء المحبون و العلماء أهل الفكر و المحادثة و أهل الأنس و المجالسة و أهل الذكر و المناجاة و أهل التملّق و الملاقاة نغص عليهم الليل حالهم و قصر النعيم عليهم ليلهم و رفع الحبيب عنهم نومهم و خفف الفهم عليهم قيامهم و أذهب مزيد الوصل عنهم مللهم و أوصل العتاب لهم سهرهم. و قيل لبعض أهل الليل كيف أنت و الليل؟ فقال: ما رعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف و ما تأملته. و قال آخر: أنا و الليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر و مرة يقطعني عن الفكر. و قيل لبعضهم: كيف الليل عليك؟ فقال: هو ساعة أنا فيها بين حالين، أفرح بظلمته إذا جاء و أغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط. و لا اشتفيت منه قط و قيل لبعض المحبين: كيف الليل عليك؟ فقال: و الله ما أدري كيف أنا فيه إلا أنا بين نظرة و وقفة يقبل بظلامه فأتدرعه ثم يسفر قبل أن أتلبسه ثم أنشد: لم أستتم عناقه لقدومه حتى بدا تسليمه لوداع