قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧١ - الفصل الرابع عشر في ذكر تقسيم قيام الليل و نومه و وصف القائمين و المتهجدين
و قال بعضهم: و زارني طيفك حتى إذا أراد أن يمضي تعلّقت به فليت ليلي لم يزل سرمدا و الصبح لم أنظر إلى كوكبه و شكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهره بالليل و أن السهر قد أضر به ثم قال: أخبرني بشيء أجتلب به النوم. فقال له أستاذه: يا بني أن للَّه نفحات في الليل و النهار تصيب القلوب المتيقظة و تخطئ بالقلوب النائمة فتعرض لتلك النفحات ففيها الخيرة. فقال: يا أستاذ تركتني لا أنام بالليل و لا بالنهار. و تذاكر قوم قصر الليل عليهم فقال بعضهم: أما أنا فإن الليل يزورني قائما ثم ينصرف قبل أن جلس. و قال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء إلا طلوع الفجر و قال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بدخول الظلام لخلوتي فيه بربي، فإذا طلع الفجر حزنت لدخول الناس علي. و قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، و لو لا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. و قال أيضا: لو عوض الله عزّ و جلّ أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه في قلوبهم من اللذة لكان ذلك أكبر من أعمالهم و قال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملّق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة. و قال بعضهم: قيام الليل و التملّق للحبيب و المناجاة للقريب في الدنيا ليس من الدنيا هو من الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا، لا يعرفه إلا هم، و لا يجده سواهم روحا لقلوبهم. و قال عتبة الغلام: كابدت الليل عشرين سنة. ثم تنعمت به عشرين سنة و قال يوسف بن أسباط: قيام ليلة أسهل علي من عمل قفة و كان يعمل كل يوم عشر قفاف. و قال غيره: ما رأيت أعجب من الليل إذا اضطربت تحته غلبك، و إن ثبت له لم يقف. و بكى عامر بن عبد الله حين حضرته الوفاة فقيل له ذلك فقال: و الله ما أبكي حبا للبقاء و لكن ذكرت ظمأ الهواجر في الصيف و قيام الليل في الشتاء. و قال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، و لقاء الإخوان، و الصلاة في جماعة. و قال بعض العارفين: إن الله عزّ و جلّ ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين. و قال بعض العلماء: إن الله عزّ و جلّ ينظر إلى الجنان عند السحر نظرة فتشرق و تضيء و تهتز و تربو و تزداد جمالا و حسنا و طيبا ألف ألف ضعف في جميع معانيها. ثم تقول: قد أفلح المؤمنون فيقول الله عزّ و جلّ: هنيئا لك منازل الملوك! و عزتي و جلالي