قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٠ - الفصل العاشر
[الذاريات: ٢١- ٢٠]، فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ [الحاقة: ٣٨]. سَيَذَّكَّرُ من يَخْشى وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الأعلى: ١٠] فأما صلاة المغرب فأفضل ما صلّيت فيه إذا تدلى حاجب الشمس الأعلى و هو غيبتها عن الأبصار. روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة. و روينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين. و أفضل ما صليت فيه عشاء الآخرة إذا غاب البياض الغربي و أظلم مكانه و هو الشفق الثاني إلى ما بعد ذلك فتأخيرها أفضل إلى ربع الليل ما لم تنم و النوم قبلها مكروه شديد و وقت حسن في سنة أن تصلّي بمقدار غيبة القمر ليلة ثلاث من الشهر و هذا يكون بعد سبع و نصف من الليل لأنا روينا أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان يصلّي العشاء الآخرة لسقوط القمر ليلة ثلاث. و أفضل ما صلّيت فيه صلاة الصبح إذا طلع الفجر الثاني و هي الصلاة الوسطى التي أفرد الله تبارك و تعالى محافظتها لأنها تختص بمعان ثلاث من التوسط لا توجد في سائر الصلوات، منها أنها بين الليل و النهار، و الثاني أنها بين صلاتين من صلاة الليل و صلاتين من صلاة النهار، و الثالث أنها متوسطة بين صلاتي جهر و صلاتي مخافتة. و أيضا فإنها أقصر الصلاة عددا لا ثلاثا و لا أربعا. فلما اختصت بتوسط هذه المعاني دون غيرها كانت هي الوسطى. و أيضا فإن الله تعالى نص على ذكر الفجر في قوله عزّ و جلّ: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]. و قيل في تفسير ذلك تشهده ملائكة الليل و النهار فكان هذا ذكرا لها بوصف آخر توكيدا للمحافظة عليها فإن صح الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر بطل ما قلناه و ثبت قول رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لأنه هو الحق و به نقول و لا أحسب الخبر إلا ثابتا فقد جاء بأشد اليقين أخبرنا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم سئل عنها فقال: هي التي شغل عنها أخي سليمان حتى توارت بالحجاب. و السنة أن تقرأ في صلاة الصبح بسورة من المثاني أو بطوال المفصل لأنها قصرت و عوّض عنها طول القيام فإن كان أجمع للمصلين و أكثر لعددهم إذا توسط الوقت فحسن قبل أن تمحق النجوم فأما أن يسفر حتى ينتشر البياض تحت الحمرة و ذلك هو شيء من شعاع الشمس فلا، و إن كثروا فصلاتها بغلس في القليل أفضل. و المحافظة على أوائل الأوقات من كل صلاة من أفضل الأعمال إلا ما ذكرناه من تأخير صلاة العشاء الآخرة للأثر فيه عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فضل الصلاة في أول الوقت على الصلاة في آخر الوقت كفضل الآخرة على الدنيا و في الخبر أن العبد ليصلّي الصلاة في آخر وقتها و لما فاته من الوقت الأول خير له من