قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٤ - فصل آخر
كيف يكون زاهدا؟ فضربني بيده و قال: اسكت. من لم تمنعه النعماء من الشكر و لا البلوى عن الصبر فذلك الزاهد. و وافقهما الزهري فقال كذلك. و قد فصل ذلك أبو سليمان فقال ابن أبي الحواري: قلت له: أ كان داود الطائي رحمه الله تعالى زاهدا؟ قال: نعم. قلت: بلغني أنه ورث من أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف يكون زاهدا و هو يمسك الدنانير؟ فقال: أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد و لعمري أنّا روينا عن رسول صلّى الله عليه و سلم نعما بالمال الصالح للمرء الصالح و المال الصالح هو الحلال و المرء الصالح المنفق ماله بالليل و النهار سرّا و علانية في سبيل الله ابتغاء مرضاته كما وصفه الله تعالى و مدحه. و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحبّ و من لا يحبّ و لا يعطي الدين إلا من يحبّ و الذي يحبّه الله تعالى ممن أعطاه الدنيا لا يخالف حبيبه إلى هواه و لا يؤثر نفسه على محبة مولاه تبارك و تعالى إذ قد تولاه فيما أعطاه. و قد روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلم قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر و الطاعم الشاكر هو الذي يستعين بطعمته على خدمة مولاه و يعبده شكرا لما أولاه. و قد قالوا في الزهد وصفان جامعان لأحوال القلوب. قال مضاء بن عيسى: قلت للسباع الموصلي: يا أبا محمد إلى أيّ شيء أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس باللّه تعالى. و قال عثمان بن عمارة: كان يقال: الورع يبلغ بالعبد إلى الزهد و الزهد يبلغ به حبّ الله تعالى، فهذان الحالان غاية الطالبين الحبّ للجليل و الأنس باللطيف. فمن لم يتحقق بالزهد لم يبلغ مقام الحبّ و لم يدرك حال الأنس ثم إن سرائر الغيوب في مقام الحبّ و الخلّة. و في حال الأنس و القربة وفّقنا الله و إياكم لما يحبّ و بلغنا ما نؤمل بفضله و رحمته و لا حول و لا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم و هذا آخر كتاب الزهد. تم الجزء الأوّل من قوت القلوب و يليه الجزء الثاني أوّله شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين