قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٣ - فصل آخر
المدح و الذّم لسقوط النفس و ذهاب رؤية الخلق فعندها خلص الإخلاص إلى قلبه لصفاء الزهد و ثبت الزهد لسقوط النفس دليل ذلك: الخبر الذي رويناه أن النبي صلّى الله عليه و سلم قال لرجل: هل استويت؟ قال: و كيف أستوي؟ قال: يستوي عندك المدح و الذم؟ و قول حارثة لما سأله عن حقيقة الإيمان: عزفت نفسي عن الدنيا فابتدأ بالزهد ثم ذكر الاستواء لحجرها و ذهبها ثم ذكر المشاهدة بعد ذلك الحديث، و هذه كلها مقامات في الزهد و كل من جعل شيئا الدنيا مبلغ علمه و علوّ مشاهدته جعل الزهد ضده. و قد نوّع أهل المعرفة الإيمان في القلب على مقامين فجعل لهما زهدين فقال: إذا تعلّق الإيمان بطاهر القلب أحبّ العبد الدنيا و أحبّ الآخرة و عمل لهما، فإذا بطن الإيمان في سويداء القلب و باشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها و لم يعمل لها. و قد كان أبو سليمان يقول: من شغل بنفسه شغل عن الناس، و هذا مقام العاملين. و من شغل بربه سبحانه و تعالى شغل عن نفسه، و هذا مقام العارفين. و لهذين المقامين دليل من السنّة أن النبي صلّى الله عليه و سلم سئل: أيّ الناس خير؟ فقال: من يشنأ الدنيا و يحبّ الآخرة فأوقع الشنآن للدنيا لوقوع ضدّه من حبّ الآخرة و المقام الأعلى دليله من جعل الهموم همّا واحدا كفاه الله تعالى أمر آخرته و دنياه و الهم الواحد بوجد واحد لربّ واحد هو وصف عبد متوحد لواحد مقاله إلى واحد، و قد وهب له خلقا من أخلاقه فهو الأحد بوحدانية صفته، و عبد متوحّد بوجده بين خلقه، فهو منفرد الهمّ مجتمع القلب و انفراد الهمّ يكون بعد محو الهوى و محوه بعد امتحان القلب للتقوى. و اجتماع القلب يكون مع طيب النفس و طمأنينتها بالإيمان أو فلاحها بالتزكية و الرضا. ما قال الرسول صلّى الله عليه و سلم: طيب النفس من النعيم. و قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها [الشمس: ٩] و قال تعالى: راضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: ٢٨] فيكون متوحّدا بالروح مخلقة بأخلاق الإيمان مواطئة للقلب بمشاهدة اليقين. و قال وهب بن منبه: وجدت فيما أنزل الله تعالى على موسى عليه السلام: من أحبّ الدنيا أبغضه الله تعالى، و من أبغضها أحبه الله تعالى، و من أكرم الدنيا أهانه الله تعالى، و من أهانها أكرمه الله تعالى. و أما علماء الظاهر فقالوا: الزهد في الدنيا هو موافقة العلم و القيام بأحكام الشرع و أخذ الشيء من وجهه و وضعه في حقّه. و ما خالف العلم فهو هوى كلّه فذكروا فرض الزهد و ظاهره و لم يعرفوا دقائقه و بواطنه. و قد روينا عن سفيان بن عيينة و الثوري معنى هذا أنهما سئلا: أ يكون الرجل زاهدا و له مال؟ قالا: نعم إذا كان إذا ابتلى فصبر، و إذا أنعم عليه شكر. قال ابن أبي الحواري فقلت له: يا أبا محمد يعني ابن عيينة قد أنعم عليه فشكر و ابتلى فصبر و حبس النعمة