قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٥ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
قلب. و رقة القلب عند أهل القلوب هو خشوعه و خوفه و ذلّه و انكساره و إخباته. فمن أعطاه هذا في قلبه لم يضرّه ما منعه من بكاء عينه فإن رجح له بفيض العين فهو فضل، و من أعطاه بكاء العين و حرمه خشوع القلب و ذلّه و خضوعه و إخباته فهو مكر به، و هذا هو حقيقة المنع و عدم النفع و جملة بكاء العين إنما هو في علم العقل. فأما علم التوحيد بمشاهدة اليقين فلا بكاء فيه لأنه يظهر لشاهد الوحدانية فيحمله على علم القدرة فتفيض الدموع بانتشاق القوّة. و قد وصف الله تعالى الباكين: إن البكاء يزيدهم خشوعا في قوله تعالى: يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٩] فإذا زادنا البكاء كبرا و فخرا علمنا بذلك عدم الخشوع في القلب فكان تصنّعا و عجبا لخفايا آفات النفوس. فأعلى المخاوف خوف السوابق و الخواتم كما كان بعض العارفين يقول: ما بكائي و غمّي من ذنوبي و شهواتي لأنها أخلاقي و صفاتي لا يليق بي غيرها إنما حزني و حسرتي كيف كان قسمي منه و نصيبي حين قسم الأقسام و فرق العطاء بين العباد فكيف كان قسمي منه البعد. فهذا الذي ذكرناه هو جمل خوف العلماء الذين هم ورثة الأنبياء و هم أبدال النبيين و أئمة المتقين، أولو القوّة و التمكين، و سئل أبو محمد رحمه الله: هل يعطي الله أحدا من الخوف مثقالا فقال: من المؤمنين من يعطي من الخوف وزن الجبل قيل: فكيف يكون حالهم يأكلون و ينامون و ينكحون؟ قال: نعم يفعلون ذلك و المشاهدة لا تفارقهم و المأوى يظلّهم قيل: فأين الخوف قال: يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة و يستر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات البشرية فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين. و هذا كما قال لأن مشاهدة التوحيد بالتصريف و الحكمة تقيمه بالقيام بالأحكام، و ذلك أن نور الإيمان في القلب عظيم لو ظهر للقلب لأحرق الجسم و ما اتصل به من الملك إلا أنه مستور بالفضل مغطّى بالعلم لإيقاع الأحكام، و إيجاب التصريف فيها و القيام يجري مجرى الغايات من معاني القدر و الصفات لأن الأنوار محجوبة بالأسماء و الأسماء محجوبة بالأفعال و الأفعال محجوبة بالحركات فتظهر الحركة بالقدرة و هي غيب من ورائها. كذلك يظهر التصريف بالحكمة من نور الإيمان و أنوار الإيمان مستورة من ورائه. و قال بعض العارفين: لو كشف وجه المؤمن للخلق عند الله تعالى لعبدوه من دون الله تعالى و لو ظهر نور قلبه للدنيا لم يثبت له شيء على وجه الأرض. فسبحان من ستر القدرة و معانيها بالحكمة و أسبابها حلما منه و رحمة و تطريقا للخلق إليه للمنفعة. و في قراءة أبيّ بن كعب مثل نور المؤمن. فلو لا أن نوره من نوره ما استجاز إبدال حرف بغير معناه. و قد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: الخوف مباينة للنهي و الخشية الورع