قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٢ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
ما يرغب فيه الأبرار فهو عندهم فضائل، قد زهد فيه المقربون، فهو عندهم حجاب، و من حقت عليه كلمة العذاب، و سبق له من مولاه الختم بسوء الاكتساب، لم ينفعه شيء، فهو يعمل في بطالة لا أجر له و لا عاقبة قد نظر إليه نظرة بعد، فهو يزداد بأعماله بعدا من قبل أن سوء الخاتمة قد تكون في وسط العمر، فلا ينتظر بها آخره يوافق معصية تكون سببها كعند الخاتمة، إذ هما في سبق العلم سواء، فالخاتمة حينئذ فاتحة، و الوقتان واحد. فإذا انقطعت الآجال و انتهت الأعمال تناهي في الإبعاد فحلّ في دار البعد. و قد روينا في الخبر «و الله لا يقبل الله تعالى من مبتدع عملا إنه ردّ على الله تعالى سننه فرد عليه عمله كلما ازداد اجتهادا ازداد من الله تعالى بعدا، كما قال الحكيم: من غص داوى بشرب الماء غصته فكيف يصنع من قد غص بالماء بل كيف يصنع من أقصاه مالكه فليس ينفعه طب الأطباء و عن مشاهدة هذا المعنى كان خوف الحسن البصري رحمه الله تعالى و حزنه، لعلمه بأنه عزّ و جلّ لا يبالي ما فعل، فخاف أن يقع بوصف الجبرية في ترك المبالاة، و أن يجعله نكالا لأصحابه، و موعظة لأهل طبقته. و يقال إنه ما ضحك أربعين سنة و كنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قدم ليضرب عنقه، و إذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها، و إذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه، و عوتب في شدة حزنه فقال: ما يؤمنني أن يكون قد اطلع عليّ في بعض ما يكره فمقتني، فقال اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معمل، فنحن أحق بهذا من الحسن رحمه الله، و لكن ليس الخوف يكون لكثرة الذنوب. فلو كان كذلك لكنا أكثر خوفا منه، إنما يكون لصفاء القلب و شدة التعظيم لله تعالى. و قد بشر العلاء بن زياد العدوي بالجنة و كان من العباد فغلق عليه بابه سبعا و لم يذق طعاما، و جعل يبكي و يقول: أنا في قصة طويلة، حتى دخل عليه الحسن فجعل يعذله في شدة خوفه و كثرة بكائه، فقال يا أخي من أهل الجنة إن شاء الله تعالى، أقاتل نفسك؟ فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف، و قد كان من فوقهم من عليه الصحابة يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا و قد بشروا بالجنة يقينا في غير خبر. من ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه: ليتني مثلك يا طير و أني لم أخلق بشرا، و قول عمر رضي الله عنه: وددت أني كنت كبشا ذبحني أهلي لضيفهم. و أبو ذر رضي الله عنه