قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٠ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و أكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس: أهل البدع و الزيغ في الدين، لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول، فأول آية تظهر لهم من قدرة الله تعالى أن يطيح عقله عند شهودها فيذهب إيمانه و لا يثبت لمعاينتها، كما تحترق الفتيلة فيسقط المصباح. و الطبقة الثانية أهل الكبر و الإنكار لآيات الله عزّ و جلّ و كراماته لأوليائه في الحياة الدنيا، لأنهم لم يكن لهم يقين يحمل القدرة و يمده الإيمان، فيعتورهم الشك و يقوى عليهم لفقد اليقين. و الطبقة الثالثة ثلاثة أصناف: متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة، و جميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة، لأن سوء الختم على مقامات أيضا كمقامات اليقين و الشرك في عمر الحياة، منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه و عمله ناظرا، و الفاسق المعلن، و المصرّ المدمن، يتصل بهم المعاصي إلى آخر العمر، و يدوم تقلبهم فيها إلى كشف الغطاء. فإذا رأوا الآيات تابوا إلى الله تعالى بقلوبهم، و قد انقطعت أعمال الجوارح فليس يتأتى منهم، فلا تقبل توبتهم، و لا تقال عثرتهم، و لا ترحم عبرتهم، و هم من أهل هذه الآية. وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] فهم مقصودون بقوله عزّ و جلّ: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] و هم معنيون بمعنى قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: ٨٤]. فنصوص الآية للكفار و معناها و مقام منها لأهل الكبائر و ذوي الإصرار من الفاسقين الزائغين، من حيث اشتركوا في سوء الخاتمة ثم تفاوتوا في مقامات منها، تظهر لهم شهوات معاصيهم، و يعاد عليهم تذكرها، لخلو قلبهم من الذكر و الخوف حتى يختم لهم بشهادتها، فهذه الأسباب تجلب الخوف و تقطع قلوب ذوي الألباب. و قد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: المريد يخاف أن يبتلي بالمعاصي، و العارف يخاف أن يبتلي بالكفر. و كذلك قال أبو يزيد رحمه الله تعالى قبله: إذا توجهت إلى المسجد كان في وسطي زنار أخاف أن يذهب بي إلى البيعة و بيت النار حتى أدخل المسجد فيقطع عني الزنار، فهذا لي في كل يوم خمس مرات، هذا لعلمهم بسرعة تقلّب القلوب في قدرة علام الغيوب. و قد روينا معنى ذلك عن عيسى عليه السلام أنه قال: يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي و نحن معشر الأنبياء نخاف الكفر.