قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠١ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و روينا في أخبار الأنبياء: أن نبيا شكا إلى الله تعالى الجوع و القمل و العري سنين فأوحى الله تعالى إليه: أما رضيت أن عصمت قلبك أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا، فأخذ التراب فوضعه على رأسه و قال: بلى قد رضيت يا رب فاعصمني من الكفر فلم يذكر له نعمته عليه بنبوته و عرضه للكفر، و جوز دخوله عليه بعد النبوة، فاعترف النبي صلّى الله عليه و سلم بذلك. و رضي به و استعصم. و قد كان عبد الواحد بن زيد إمام الزاهدين قبلهما يقول: ما صدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار و ما ظن أن يدخل النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا. و قد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إمام العلماء قبلهم: يخرج من النار رجل بعد ألف عام و يا ليتني ذلك الرجل، هذا لشدة خوفه من الخلود في الأبدية، قال فبعد أن أخرج منها بوقت لا أبالي. و العدو يدخل على العارفين من طريق الإلحاد في التوحيد و التشبيه في اليقين و الوسوسة في صفات الذات، و يدخل على المريدين من طريق الآفات و الشهوات، فلذلك كان خوف العارفين أعظم، و من قبل أن العدو يدخل على كل عبد من معنى همه فيشككه في اليقين كما يزين له الشهوات، فأرواحهم معلقة بالسابقة ما ذا سبق لهم من الكلمة، هناك مشاهدتهم، و من ثم فزعهم. لا يدرون أسبق لهم قدم صدق عند ربهم فيختم لهم بمقعد صدق، فيكونون ممن قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] و يخافون أن يكونوا قد حقت عليهم الكلمة، فيكونون ممن قال فيهم الرسول صلّى الله عليه و سلم: «يقول الله سبحانه و تعالى هؤلاء في النار و لا أبالي» فلا ينفعهم شفاعة شافع، و لا ينقذهم من النار دافع، كما قال مولاهم الحق: أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ من في النَّارِ [الزمر: ١٩] و كقوله تعالى: وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: ١٣] فهذه الآية و معناها تخويف لأولي الأبصار. و قال عالمنا رحمه الله في قوله تعالى: وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١] عموم أي فيما نهيت عنه: و قوله تعالى وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: ٤٠] أي في السابقة و هذا خصوص. و قد نوع بعض العارفين خوف المؤمنين على مقامين فقال: قلوب الأبرار معلقة، بالخاتمة يقولون: ليت شعري ما ذا يختم لنا به؟ و قلوب المقربين معلقة بالسابقة يقولون: ليت شعري ما ذا سبق لنا به؟ و هذان المقامان عن مشاهدتين: إحداهما أعلى و أنفذ من الأخرى لحالين: أحدهما أتم و أكمل، فهذا كما قيل ذنوب المقربين حسنات الأبرار: أي