قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٤ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
ينتفع به. و يشتد عنده حياؤه، و يروح به كروبهم، و ترتاح إليه عقولهم، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء و حسن الظن من العبادات ما لا يستروحه الخوف، إذ المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات، فصار الرجاء طريقا لأهله، و صاروا رائجين به كما قال عمر رضي الله عنه: رحم الله صهيبا لو لم يخف الله تعالى لم يعصه: أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف، فصار الرجاء طريقه، فهؤلاء هم الراجون حقا و هذه علامتهم، و لمثل هذا ذكرنا الأسباب التي توجب الرجاء، و تولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء. و من الرجاء تحسين الأخلاق مع الخلق، و جميل الصبر عليهم، و حسن الصفح، و لطيف المداراة لهم تقربا إلى الله عزّ و جلّ بذلك، و تخلقا بأخلاقه رجاء ثوابه. و طمعا في تنجيز وعده، و اتباعا لسنة رسوله صلّى الله عليه و سلم. و من الرجاء ترك الأهواء الرديئة، و الشهوات المطغية و يحتسب في ذلك على الله نفيس الذخائر العالية. فقد روينا عن حميد عن أنس قال: مقابل عرش الرحمن غرفة يرسل إليها جبريل عليه السلام، فإذا انتهى إليها خر للَّه ساجدا، ثم يقول: يا رب لمن خلقت هذه، لأي نبي؟ لأي صديق؟ لأي شهيد؟ قال: فيرد عليه عزّ و جلّ: لمن آثر هواي على هواه. و من الرجاء افتعال الطاعات، و حسن الموافقات، ينوي بها، و يسأل مولاه الكريم عظيم الرغائب، و جليل المواهب، لما وهب له من حسن الظن به. كما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم: إذا سألتم الله تعالى فأعظموا الرغبة، و سلوه الفردوس الأعلى، فإن الله عزّ و جلّ لا يتعاظمه شيء». و في حديث آخر «فأكثروا و سلوا الدرجات العلى، فإنما تسألون جوادا كريما». و في الآثار «أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة، فإذا دخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه، فيقول الآخر: يا رب ما كان هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين، فيقول الله سبحانه و تعالى: إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى و كنت أنت تسألني النجاة من النار، فأعطيت كل عبد سؤله». و روينا في الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: «أن رجلا يخرج من النار فيوقف بين يدي الله تعالى، فيقول له: كيف وجدت مكانك؟ فيقول: يا رب شر مكان، فيقول: ردوه إلى مكانه، قال: فيمشي و يلتفت إلى ورائه، فيقول الله عزّ و جلّ: إلى أي معنى تلفت؟ فيقول