قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧١ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
القرآن هو الغنى الذي لا فقر معه و لا غنى بعده. و من آتاه الله القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله تعالى. و في لفظ آخر: فقد استخف بما أنزل الله عزّ و جلّ. و في الخبر: من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا، و في الخبر المجمل كفى باليقين غنى و القرآن هو حق اليقين. و روينا عن بعض السلف يقول الله عزّ و جلّ: إن عبدا أغنيته عن ثلاث فقد أتممت عليه نعمتي عن سلطان يأتيه و طبيب يداويه و عما في يد أخيه. و روينا في مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله تبارك و تعالى أوحى إليه: ما من عبد لي من الآدميين إلا و معه ملكان فإذا شكر على نعمائي قال الملكان: اللّهم زده نعما على نعمه، فإنك أهل الشكر و الحمد فكن من الشاكرين قريبا و زدهم شكرا و زدهم من النعماء و كفى بالشاكرين يا أيوب علوّ الرتبة عندي و عند ملائكتي، فأنا أشكر شكرهم و ملائكتي تدعو لهم و البقاع تحبهم و الآثار تبكي عليهم فكن لي يا أيوب شاكرا و لآلائي ذاكرا و لا تذكرني حتى أذكرك و لا تشكرني حتى أشكر أعمالك أنا أوفق أوليائي لصالح الأعمال و أشكرهم على ما وفقتهم و أقتضيهم الشكر و رضيت به مكافأة فرضيت بالقليل عن الكثير و تقبّلت القليل و جازيت عليه بالجزيل و شرّ العبيد عندي من لم يشكرني إلا في وقت حاجته، و لم يتضرّع بين يديّ إلا في وقت عقوبته و ذكر الكلام و قد جعل الله تعالى الشاكرين بوصف الصالحين و المقربين و العالمين، و هذه الأوصاف الثلاث من أعالي مقامات الموقنين. فقال عزّ و جلّ: و قليل من عبادي الشكور كما قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ [ ٢٤] و كما قال في وصف المقربين: ثُلَّةٌ من الْأَوَّلِينَ. وَ قَلِيلٌ من الْآخِرِينَ [الواقعة: ١٣- ١٤] و كما قال عزّ و جلّ: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف: ٢٢]. و في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه و سلم: سلوا الله العافية و ما أعطى عبد أفضل من العافية إلا اليقين ففضل العافية على كلّ عطاء و رفع اليقين، فوق العافية لأن بالعافية يتمّ نعيم الدنيا و اليقين معه وجود نعيم الآخرة، فلليقين فضل على العافية كفضل الدوام على الانتقال. و العافية سلامة الأبدان من الأسقام و العلل و اليقين سلامة الأديان من الزيغ و الأهواء: فهاتان نعمتان تستوعبان عظيم الشكر من العبد كما استوعب القلب و الجسم جسيم النّعم من الملك. و من أقوى المعاني في قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا من أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] قيل: