قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد، يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شيء قدير، عشر مرات في مصلاه، و هو ثان رجله قبل أن يقوم، و يقرأ بعدها قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ [الإخلا ١] عشرا قبل أن يتكلم. فقد اشترط ترك الكلام في هذين الحديثين اللذين وردا فيهما. ثم أتى ببقية ورده في بيته أو في خلوته. و هو في ذلك مستقبل القبلة و هذا حينئذ أفضل له و أجمع لقلبه. و لا يقدم على التسبيح للَّه عزّ و جلّ و الذكر له بعد صلاة الغداة، و قبل طلوع الشمس إلا أحد معنيين معاونة على برّ و تقوى فرض عليه أو ندب إليه ما يختص به لنفسه أو يعود نفعه على غيره. و يكون ذلك أيضا ممّا يخاف فوته بفوت وقته. و المعنى الآخر يكون إلى تعلم علم أو استماعه ممّا يقرّبه إلى الله تعالى في دينه و آخرته و يزهده في الدنيا. و الهويّ من العلماء باللّه عزّ و جلّ الموثوق بعلمهم و هم علماء الآخرة أولو اليقين و الهدى، الزاهدون في فضول الدنيا. و يكون في طريقه ذاكرا للَّه عزّ و جلّ أو متفكرا في أفكار العقلاء عن الله عزّ و جلّ فإن اتفق له هذان فالغدوّ إليهما أفضل من جلوسه في مصلاه لأنهما ذكر الله عزّ و جلّ و عمل له، و طريق إليه على وصف مخصوص مندوب إليه، قال الله عزّ و جلّ: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢]. و قال النبي صلّى الله عليه و سلّم: «من غدا من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع». و قال ابن مسعود: أغد عالما أو متعلما أو مستمعا و لا تكن الرابع فتهلك و الغدوّ و الغداة تكون قبل طلوع الشمس. و في الخبر من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله عزّ و جلّ حتى يرجع، و من خرج من منزله يلتمس علما وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما صنع، و استغفر له دواب الأرض و ملائكة السماء و طير الهواء و حيتان الماء. و في حديث أبي ذر الغفاري رحمه الله حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة و أفضل من شهود ألف جنازة و من عيادة ألف مريض. قيل: و من قراءة القرآن؟ فقال: و هل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم. فإن لم يتفق له أحد هذه المعنيين فقعوده في مصلاه أو في مسجد جماعته أو في بيته أو في خلوته ذاكرا الله عزّ و جلّ بأنواع الأذكار أو متفكرا فيما فتح له بمشاهدة هذه الأفكار في مثل هذه الساعة أفضل له ممّا سواها. روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: لأن أقعد في مسجد أذكر الله عزّ و جلّ فيه من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب. و روينا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان إذا صلّى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس. و في بعضها، و يصلي ركعتين. و قد ندب إلى ذلك في غير حديث. و جاء من فضل الجلوس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس و في صلاة ركعتين بعد ذلك