قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩ - الفصل السادس في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة
أي يفعلون لما يبقى و يرغبون فيما يدوم و يزهدون فيما يفنى و قد جعل الله عزّ و جلّ البيان يعلمنا اقتضاء الشكر عليه فقال: يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٨٩] و كما قال تعالى: وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٦٣] و قد وصف أعداءه بعد ذلك فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف: ١٠١]. و قالت أم الدرداء كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر، و قد كان يقول: ما يسرني أن أريح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل الله عزّ و جلّ. قيل: و لم ذلك؟ قال: يشغلني ذلك عن التفكّر. أو يعتقد حسن النيات و ينوي جميل الطويات فيما بينه و بين الخالق تعالى و فيما بينه و بين الخلق أو يستغفر الله تعالى. و يجدد التوبة لما مضى من عمره و لما يأتنف من مستقبله. أو يخلص الدعاء بتمسكن و تضرع و تملّق و تخشع و وجل و إخبات إلى أن يعصمه من جميع المنهي. و أن يوفقه لصالح الأعمال و يتفضل عليه برغائب الأفضال و هو في ذلك فارغ القلب مجرد الهم موقن بالإجابة راض بالقسم، أو يتكلم بمعروف و خير و يدعو به إلى الله تعالى و ينفع به أخاه، و يعلم من هو دونه في العلم. فهذه كانت أذكار المتقدمين و أفكار السالفين. و قد كان الذكر و الفكر من أفضل عبادة العابدين و هو طريق مختصر إلى ربّ العالمين ففي أي هذه المعاني أخذ فهو ذاكر للَّه عزّ و جلّ، فلا يزال كذلك و هو في جميع ذلك مستقبل القبلة في مصلاه. و لا يستحب له أن يتكلم أو يعمل غير ما ذكرناه من الأذكار. و قد كانوا يكرهون الكلام بغير معروف و تقوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. و منهم من شدّد في ذم الكلام من الفجر إلى صلاة الغداة بغير ذكر و بر. و هذه سنة قد خملت فمن عمل بها فقد ذكرها.