قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٨ - ذكر تفصيل العلوم و معروفها و قديمها و محدثها و منكرها
يموّه و يشبه على العلم يحسبه المستمع من الجهّال علما. فكذلك جمع بينهما في التسمية الزخرف. و قد قيل إن الزخرف هو الذهب فعلى هذا شبّه قول الغرور بالذهب الذي يذهب بقاؤه و تقلّ حقيقته عند الربانيين و أهل الحقيقة الزاهدين إذ شبهه الأنبياء و الصديقون كالحجر و المدر. و كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: تركوا العلم و أقبلوا على الغراس. ما أقل العلم فيهم و الله المستعان. و قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم و لم يكن العلماء يقولون حرام و لا حلال في أكثر الأمور أدركتهم يقولون مستحب و مكروه. و كان مالك كثير التوقف في الأجوبة إذا سئل و يكثر أن يقول لا أدري سل غيري و قال رجل لعبد الرحمن بن مهدي ألا ترى إلى قول فلان في العلم حلال و حرام و قطعه في الأمور بعلمه يعني رجلا من أهل الرأي و إلى قول مالك: إذا سئل أحسب. فقال عبد الرحمن: ويلك قول مالك أحسب أحسب أحبّ إليّ من قول فلان: أشهد أشهد. و كان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا. و لكن اسألوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها. و كان الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي و الهوى يقول: لقد كان القعود في هذا المسجد أحبّ إليّ مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء المراءون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه و لأن أقعد على مزبلة أحب إليّ من أن أجلس فيه و كان يقول ما حدثوك عن السنن و الآثار فخذ به و ما حدثوك عما أحدثوا من رأيهم فامخط عليه. و قد قال مرة: فبل عليه. و قد كان السلف يستحبون العي و البله عن علوم المعقول، و قد جعله رسول الله صلّى الله عليه و سلّم من الإيمان إذ قرنه بالحياء فقال: الحياء و العي شعبتان من الإيمان و البذاء و البيان شعبتان من النفاق. و قال عليه السلام: أبغض الخلق إلى الله عزّ و جلّ البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها يعني الحشيش الرطب. و قال في حديث آخر: العيّ عن اللسان لا عيّ القلب. و قال: إن الله عزّ و جلّ كره لكم البيان كل البيان فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب سبحانه و تعالى و صار فقه اللسان بالبيان إنما هو عيّ القلب عن الشهادة و الإيقان و عيّ اللسان و طول الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب. و من المتكلمين من لا يعرف من كلام البدع و علم المنافقين الذي ذمه القدماء هو اليوم سنّة و أهل النطق به هم العلماء اليوم. و لقد صار المعروف منكرا و المنكر معروفا و صار السنّة بدعة و البدعة سنّة. و كذلك جاءت به الأخبار في وصف علماء آخر الزمان. و في الخبر المشهور: إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين. فمن غلب عليه هذا الوصف