قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٩ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
المنافق فينا اليوم المؤمن فيهم أذل من الأمة. و في حديث علي كرّم الله وجهه يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة أعشارهم لا ينجو منهم يومئذ إلا كل مؤمن نومة يعني صموتا متغافلا أولئك مصابيح العلم و أئمة الهدى و ليسوا بالمذاييع البذر يعني المتكلمين كثيرا المتظاهرين بالكلام افتخارا. و في خبر: يأتي على الناس زمان من عرف فيه الحق نجا قيل فأين العمل؟ قال: لا عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق و في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا و في بعضها بعشر ما يعلم. و عن بعض الصحابة أنتم اليوم في زمان من ترك منكم عشر ما يعلم هلك و يأتي عليكم زمان من علم فيه بعشر ما يعلم نجا. و قال بعض الخلفاء: يأتي عليكم زمان يكون أفضل العلم الصمت و أفضل العمل النوم يعني لكثرة المنافقين بالشبهات فصار الصمت للجاهل علما و لكثرة العاملين بالشهوات فصار النوم عبادة البطال و لعمري إن الصمت و النوم أدنى أحوال العالم و هما أعلى أحوال الجاهل و كان يونس بن عبيد يقول أصبح اليوم من يعرف السنة غريبا و أغرب منه من يعرفه يعني طريقة السلف. يقول: فمن يعرفه عرف طريق من مضى و هو غريب أيضا لأنه قد عرف غريبا. و قال حذيفة المرعشي: كتب إلى يوسف بن أسباط ذهب الطاعة و من يعرفها و كان أيضا يقول ما بقي من يؤنس به. و قال: ما ظنك بزمان مذاكرة العلم فيه معصية قيل و لم ذلك؟ قال: لأنه لا يجد أهله و قد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إنكم لن تزالوا بخير ما أحببتم خياركم و قيل فيكم الحق فعرف ويل لكم إذا كان العالم فيكم كالشاة النطيح. و قد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها و يتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا و كان للصالحين معان و طرائق يسلكونها و يسألون عنها قد ذهبت في وقتنا و كان لليقين و المعرفة مقامات و أحوال يتذاكرها أهلها و يطلبون أربابها قد عفت آثارها عندنا لقلة الطالبين لها و لعدم الراغبين فيها و فقد العلماء بها و ذهاب السالكين في طرقها منها طلب الحلال و علم الورع في المكاسب و المعاملات و علم الإخلاص و علم آفات النفوس و فساد الأعمال و علم نفاق العلم و العمل و الفرق بين نفاق العلم و العمل و الفرق بين نفاق القلب و نفاق النفس و بين إظهار النفس شهوتها و اخفائها ذلك و الفرق بين سكون القلب بالله و سكون النفس بالأسباب و الفرق بين خواطر الروح و النفس و بين خاطر الإيمان و اليقين و العقل و علم خلائق الأحوال و أحوال طرائق العمال و تفاوت مشاهدات العارفين و تلوينات الشواهد على المريدين و علم القبض و البسط و التحقيق بصفات العبودية و التخلق بأخلاق الربوبية و تباين مقامات العلماء إلى غير