قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨ - الفصل السادس في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة
الفصل السادس في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة و هو أنه يأخذ في تلاوة القرآن و في أنواع الذكر من التسبيح و الحمد و الثناء و في التفكر في عظمة الله سبحانه و تعالى و آلائه و في تواتر إحسانه و نعمائه، من حيث يحتسب العبد و من حيث لا يحتسب و فيما يعلم العبد و فيما لا يعلم، و يتفكّر في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم و بواطنها و عجزه عن القيام بما أمره به من حسن الطاعة و دوام الشكر على النعمة. أو يتفكّر فيما عليه من الأوامر و النوادب فيما يستقبل، أو يتفكّر في كثيف ستر الله تبارك و تعالى عليه و لطيف صنعه به و خفيّ لطفه له و فيما اقترف و فرط فيه من الزلل و في فوت الأوقات الخالية من صالح العمل، أو يتفكّر في حكم الله تعالى في الملك و قدرته في الملكوت و آياته و آلائه فيهما، أو يتفكر في عقوبات الله عزّ و جلّ و بلائه الظاهرة و الباطنة فيهما و من ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله [إبراهيم: ٥]. قيل بنعمه و قيل بعقوباته و منه قوله عزّ و جلّ: فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: ٦٩]. و مثله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: ٢٥] أي بأي نعمة تكذبان يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم و هما الثقلان، ففي أي نوع من هذه المعاني أخذ فيه فهو ذكر، و الذكر عبادة. و هو يخرج إلى الفكر و الفكر يدخل في الخوف. و الذكر إذا قوي صار مشاهدة، كما قال عزّ و جلّ: يَذْكُرُونَ الله قِياماً [آل عمران: ١٩١]. ثم قال: وَ يَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [آل عمران: ١٩١] ثم قال: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١] و لا يكون مشاهدة إلا عن يقين و اليقين روح الإيمان و مزيده و فن المؤمن. و قال بعض العلماء في تفسير الخبر «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة». و هو التفكر الذي ينقل أي من المكاره إلى المحاب و من الرغبة و الحرص إلى القناعة و الزهد. و قيل هو التفكر الذي يظهر مشاهدة و تقوى و يحدث ذكرا و هدى، كقوله تعالى: وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٦٣]. و لقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٨]. أو يحدث لهم ذكرا و مثله: يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: ٢١٩] في الدنيا و الآخرة