قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٢ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
فقال: ولّوا البدع ظهوركم و قال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا. و حدثنا عن أبي معمر عن خلف بن خليفة قال: رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد و قاصّ يقص في المسجد فجاءه رجل فقال: يا أبا الحكم إن الناس ينظرونك فقال: إني في خير مما هم فيه أنا في سنة و هم في بدعة و قد فعل الأعمش أبلغ من ذلك دخل البصرة و كان فيها غريبا فنظر إلى قاصّ في الجامع و هو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق و حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: فتوسط الأعمش الحلقة و رفع يده و جعل ينتف شعر إبطه فبصر به القاصّ فقال: يا شيخ ألا تستحي نحن في علم و أنت تفعل هذا؟ فقال له الأعمش: الذي أنا فيه أفضل من الذي أنت فيه. قال: كيف؟ قال: لأني في سنة و أنت في كذب. أنا الأعمش و ما حدثتك مما تقول شيئا فلما سمع الناس ذكر الأعمش انفضوا عن القاص و اجتمعوا حوله و قالوا حدثنا يا أبا محمد. و أخبرونا عن محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثه قال: صليت مع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه صلاة العيد فإذا قاصّ يقص يلعن المبتدعة و يذكر السنة فلما قضينا الصلاة و صرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد الله القاص فقال ما أنفعهم للعامة و إن كان عامة ما يحدثون به كذبا و أخبرت عن محمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثه أنه سمع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول أكذب الناس القصاص و السؤال و حدثونا عنه أيضا أنه قال: ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق لأنهم يذكرون الميزان و عذاب القبر قلت له: أنت تحضر مجالسهم؟ قال: لا. و روينا عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد النميري قال: أتيت أنس بن مالك و هو بالزاوية فقال لي: قصّ فقلت كيف؟ و الناس يزعمون أنه بدعة فقال: ليس شيء من ذكر الله تعالى بدعة. قال: فقصصت و جعلت أكثر قصصي و دعائي رجاء أن يؤمن. قال: فجعلت أقص و هو يؤمن و قد كانوا يجعلون الدعاء قصصا و حدث يوسف بن عطية عن محمد بن عبد الرحمن الخراز قال: فقد الحسن عامر بن عبد الله العنبري فقال: اذهبوا بنا إلى أبي عبد الله فأتاه الحسن فإذا عامر في بيت قد لف رأسه و ليس إلا رمل فقال له الحسن: يا أبا عبد الله لم نرك منذ أيام. فقال: إني كنت أجلس هذه المجالس فأسمع تخليطا و تغليظا و انّي كنت أسمع مشيختنا فيما يروون عن نبينا صلّى الله عليه و سلم أنه كان يقول إن أصفى الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا و أكثر الناس ضحكا في الجنة أكثرهم بكاء في الدنيا و أشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا فوجدت البيت أخلى لقلبي و أقدر لي من نفسي على ما أريد منها. قال الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه إنما عنى مجالس