قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٠ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
الله، حدثني موسى كليم الله، حتى أثرى و كثر ماله ففقده موسى صفي الله فجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم و في يده خنزير و في عنقه حبل أسود فقال له موسى عليه السلام: أ تعرف فلانا قال الرجل: نعم هو ذا الخنزير: فقال موسى: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى لو دعوتني بما دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه و لكني أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين. و روينا عن الحسن بأنه انصرف يوما من مجلسه فاستأذن عليه رجل من أهل خراسان فوضع بين يديه كيسا فيه خمسة آلاف درهم و أخرج من حقيبته رزمة فيها عشرة أثواب من دقيق بر خراسان. فقال الحسن: ما هذا؟ فقال: يا أبا سعيد هذه نفقة و هذه كسوة. فقال له: عافاك الله ضم إليك نفقتك و كسوتك فلا حاجة لنا بذلك. إنه من جلس مثل مجلسي هذا و قبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم القيامة لا خلاق له. و في خبر: إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق و المغرب و ما يزن عند الله جناح بعوضة و علماء الدنيا الطالبون لها بالعلم الآكلون لها بالدين المتخذون الأصدقاء و الأخلاء من أبنائها المكرمون المحبون لهم المقبلون بالبشر و البشاشة عليهم هم معرفون في كل زمان بأوصافهم و لحن قولهم و سيماهم. و قد روينا في مقامات علماء السوء حديثا شديدا نعوذ باللّه من أهله و نسأله أن لا يبلونا بمقام منه فرويناه مرة مسندا من طريق و رويناه موقوفا على معاذ بن جبل رضي الله عنه و أنا أذكره موقوفا أحب إليّ. حدثونا عن منذر بن علي عن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل يقول فيه: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم و وافقته أنا على معاذ قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع. و في الكلام تنميق و زيادة و لا يؤمن على صاحبه الخطأ و في الصمت سلامة و علم. و من العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأوّل من النار، و من العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه فغضب فذلك في الدرك الثاني من النار، و من العلماء من يجعل حديثه و غرائب علمه لأهل الشرف و اليسار و لا يرى أهل الحاجة له أهلا فذلك في الدرك الثالث من النار، و من العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطإ و الله عزّ و جلّ يبغض المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار، و من العلماء من يتكلم بكلام اليهود و النصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس من النار، و من العلماء من يتخذ علمه مروءة و نبلا و ذكرا في الناس فذلك في الدرك السادس من النار، و من العلماء من يستفزه الزهو و العجب فإن وعظ عنف و إن وعظ أنف