قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٦ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
قناة الحش ظاهرها حسن و باطنها نتن و مثل القبور المشيدة ظاهرها عامر و باطنها عظام الموتى. و قال بشر بن الحارث: من طلب الرئاسة من العلماء فتقرب إلى الله تعالى ببغضه فإنه مقيت الله في السماء و الأرض. و كان الأوزاعي يروي عن بلال بن سعد أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي و العون فيستعيذ باللّه تعالى من حاله و يمقته و ينظر إلى عالم الدنيا قد تصنع للخلق و تشوف للطمع و الرئاسة فلا يمقته. هذا العالم أحقّ بالمقت من ذلك الشرطي. و قد كان أبو محمد يقول: لا تقطعوا أمرا من الدين و الدنيا إلا بمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند الله قيل: يا أبا محمد من العلماء؟ قال الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا و يؤثرون الله تعالى على نفوسهم. و قد قال عمر رضي الله عنه في وصيته: و شاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى. و روينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة و ستين مصحفا في الحكمة حتى وصف بالحكم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا و لم تردني بشيء من ذلك و إني لا أقبل شيئا من نفاقك قال: فأسقط في يديه و حزن و ترك ذلك و خالط العامة و مشى في الأسواق و و أكل بني إسرائيل و تواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى النبي عليه السلام: قل له الآن وافقت رضاي. و قال بعض العلماء: كان أهل العلم على ضربين، عالم عامة و عالم خاصة. فأما عالم العامة فهو المفتي في الحلال و الحرام و هؤلاء أصحاب الأساطين. و أما عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد و المعرفة هؤلاء أهل الزوايا و هم المنفردون و قد كانوا يقولون مثل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثل دجلة كل أحد يعرفها. و مثل بشر بن الحارث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد. و قال حماد بن زيد: قيل لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ فقال: العلم فيما مضى كان أكثر و الكلام اليوم أكثر. ففرق بين العلم و الكلام و قد كانوا يقولون فلان عالم و فلان متكلم و فلان أكثر كلاما و فلان أكثر علما. و كان أبو سليمان يقول: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام. و قال بعض العارفين هذا العلم على قسمين: نصفه صمت و نصفه تدري أين تضعه. و زاد آخر: و نصفه وجد و نصفه نظر يعني تفكرا و اعتبارا. و سئل سفيان عن العالم من هو؟ فقال: من يضع العلم في مواضعه و يؤتي كل شيء حقه. و قال بعض الحكماء: إذا كثر العلم قل الكلام. و قد كان إبراهيم الخواص رحمه الله يقول: الصوفي كلما ازداد علما نقصت طينته. و قال بعض شيوخنا: قلت للجنيد يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب. قال كثير: قلت فيكون قلب بلا لسان، فقال: نعم قد يكون، و لكن لسان بلا قلب بلاء و قلب بلا لسان نعمة قلت فإذا كان لسان و قلب. قال: فذاك الزبد