قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٣ - المقام الثالث من اليقين
و ليسا من رعاة الدين في شيء لا ذا و لا ذاك فمفهوم باللذة سلس القيادة في طلب الشهوات أو مغرى بجمع الأموال و الادخار منقاد لهواه أقرب شبها بهما الأنعام السائمة. اللّهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه بل لا تخلو الأرض من قائم للَّه تعالى بحجة. إمّا ظاهر مكشوف و إما خائف مقهور لئلا تبطل حجج الله تعالى و بيّناته و أين أولئك الأقلون عددا الأعظمون قدرا أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعها نظراءهم و يزرعوها في القلوب أشباههم. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعر منه المترفون و أنسوا بما استوحش منه الغافلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك أولياء الله من خلقه و عماله في أرضه و الدعاة إلى دينه. ثم بكى و قال: وا شوقاه إلى رؤيتهم فهذه كلها أوصاف علماء الآخرة و هذه نعوت علم الباطن و علم القلوب لا علم الألسنة و كذلك وصفهم معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصف العلم باللّه تعالى. فيما رويناه من حديث رجاء بن حيوة بن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ قال: تعلّموا العلم فإن تعلّمه للَّه خشية و طلبه عبادة و مدارسته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه لمن لا يعلمه صدقه و بذله لأهله قربة و هو الأنيس في الوحدة و الصاحب في الخلوة و الدليل على السرّاء و الضرّاء و الزين عند الإخلاء و القريب عند الغرباء و منار سبيل الجنة يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم الله في الخير قادة و هداة يقتدي بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم و ترمق أعمالهم و يقتدى بفعالهم و ينتهي إلى رأيهم و ترغب الملائكة في خلتهم و بأجنحتها تمسحهم حتى كل رطب و يابس لهم مستغفر حتى حيتان البحر و هو أمه و سباع البر و نعامه و السماء و نجومها لأن العلم حياة القلوب من العمى و نور الأبصار من الظلم و قوّة الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الأبرار و الدرجات العلى و التفكر فيه يعول بالصيام و مدارسته بالقيام به يطاع الله تعالى و به يعبد و به يوحد و به يتورع و به توصل الأرحام العلم إمام و العمل تابعه تلهمه السعداء و تحرمه الأشقياء. فهذه أوصاف علماء الآخرة و نعت العلم الباطن. و قد كان من أفضل الأمراء بعد الخلفاء الأربعة: عمر بن عبد العزيز فحدثونا عن زكريا بن يحيى الطائي قال: حدثني عمي زجر بن حصين أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن رحمهما الله: أما بعد فأشر علي بقوم أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه: أما أهل الدين فلن يريدوك و أما أهل الدنيا فلن تريدهم و لكن عليك بالأشراف فإنهم