قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٥ - ذكر نوع آخر من البيان
و غرائب الأحكام بالمشيئة لأن له في خزانة الخير خزانة الشر إذا شاء و له في خزانة الشر خزائن الخير إذا أحب لمن يحبه لئلا يسكن إلى سواه و لا يدل العبد بما منه أبداه. فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير و لم يدل به أبدا لأنه لا يأمن مكر الله تعالى بتقليب خزائن الشر من خزائن الخير إذا عليه أبداه و لم ييأس من شر عليه أبداه لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من خزائن الشر فيكون بين الخوف و الرجاء و لا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم و لطائف الفهوم و غوامض الفطن و صفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار. فما كان للعبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير منها تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك و هذا هو الواعظ القائم في القلب و الزاجر المؤيد للعقل. و قد تترادف خواطر الشر من النفس و الهوى فلا يتعاقبها خاطر خير من الملك و هذا علامة البعد و نهاية قسوة القلب. و قد تتابع خواطر الخير و البر من الروح و الملك و يعافى العبد من خاطر الهوى و النفس و هذا علامة القرب و هو حال المقربين و قد ترد خواطر العدوّ و وساوسه بالخير و البر ابتلاء من الله تعالى لعبده و حيلة من العدوّ و مكرا من النفس يريد العدوّ بذلك الشر أو يخرجه آخر إلى إثم أو خير ليقطعه بذلك عن واجب أو يشغله به عن الأفضل في الحال فيكون ظاهره برا و باطنه إثما و يكون أوّله خيرا و آخره إثما. و بغية العدوّ من ذلك باطنه و آخره. و شهوة النفس في ذلك هواها و مناها قد لبسا ظاهره بالخير تزيينا و موّها أوّله بالبر تحسينا و هذا من أدق ما يبتلى به العاملون و لا يعرف بواطنه و سرائره إلا العالمون. فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخبر صريح و بر محض على كل حال إذا ورد لأن الخداع و الحيلة ليس من وصف الملائكة و لكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب إذا اشتدت قسوته و دامت معصيته من المتعبدين فيخلى بين القلب و بين نوازع العدوّ اللعين و يتخلى العدوّ بهوى النفس فيستحوذ و يقترن بالعبد نعوذ باللّه من إبعاده و عدم خيره و إرشاده و لا يزال العبد مع إلهام الملك في مقام الإيمان. فإذا رفع إلى مقام اليقين تولاه الله تعالى بواسطة أنوار الروح، فكان الروح مكان إلقاء الحق حتى يرد عليه من الله تعالى بواسطة أنوار الروح. من السرائر ما لا يطلع عليه الملك و لا يكون ذلك حتى تفنى خواطر النفس بالهوى و لا تبقى منها باقية. و تطوى النفس فتندرج في الروح فلا يظهر منها داعية ثم يتولاه الله تعالى بنور اليقين فيسطع له نور اليقين من خزانة الغيب المحجوب بمكاشفات الجبروت فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة الغيب بفقد كونه و وجد كينونته و ما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه، و هذا يكون في مقام التوحيد و هذا أنصبة المقربين.