قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٧ - ذكر بيان آخر من تفصيل المعاني
و قد قرن الله عزّ و جلّ الإيمان بالبعث الأمر بهما في قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: ٢٤]. و فسره ابن عباس فقال: يحول بين المؤمن و بين الكفر و يحول بين الكافر و بين الإيمان و قيل يحول بين العبد و بين الاستجابة للَّه تعالى و الرسول و قيل: يحول بين المؤمن و بين سوء الخاتمة و بين الكافر و بين حسن الخاتمة و قيل يحول بين المؤمن و بين أن يلقيه في كبيرة يهلك فيها و بين المنافق و بين أن يوفقه لطاعة فينجو بها و يحول بين الموحد و بين الخاتمة بالتوحيد. و هذه مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد و كذلك الكون بأسره عند الموحدين في القدرة بالتقليب كمثل ريشة في ريح عاصف تقلبه القدرة على مشيئة القادر و ليس في القدرة ترتيب و لا مسافة و لا بعد و لا يحتاج إلى زمان و لا مكان. فما ظهر من الملك و ثبت للعيون بمكان و زمان فلأجل الحكمة و الصنعة و الإتقان و ما خفي من الملكوت و تقلب ببصائر القلوب فبلطف القدرة و قهر السلطان و نصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد و نصيبه من التوحيد حسب قسمه من اليقين و قسمه من اليقين على قربه من القريب و قربه على حسب قرب الله تعالى من قلبه و قرب الله تعالى منه بقدر علمه باللّه تعالى و اتساعه في العلم باللّه عزّ و جلّ على نحو مكانه من مزيد الإيمان و مزيد إيمانه على قدر إحسان الله تعالى إليه و إحسانه إليه على قدر عنايته به و إيثاره له و علم الله من وراء ذلك و ذاك سر القدرة المحجوب المخزن و نصيب كل عبد من الجهل على قدر نصيبه من الغفلة و نصيبه من الغفلة على حسب حب الدنيا و حبه للدنيا على قدر قوّة الهوى و قوّة الهوى على قدر غلبة سلطان النفس و نشر صفاتها عليه و قوّة صفات النفس على قدر ضعف اليقين و ضعف يقينه على كثافة الحجاب و البعد بينه و بين الله عزّ و جلّ و الحجاب و البعد ميراثه الكبر و قسوة القلب و القسوة تورث الانهماك في المعاصي و إدمان المعاصي عن الإعراض و المقت، و الإعراض و المقت، من قلة عناية المولى بعبده و سوء نظره له. و من وراء ذلك سر القدر الذي به عن الخلق قد استأثره. فهذه الأوصاف المذمومة العبد مبتل بها على تضاد تلك الصفات المحمودة التي هي من المنعم بها و لكل وجهة هو موليها و مكان الهوى من القلب على قدر تزيين العدوّ له و تسليطه عليه. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا. إِنْ يَنْصُرْكُمُ الله فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ من بَعْدِهِ [آل عمران: ١٦٠]. و ان يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو و إن يردك بخير فلا رادّ لفضله. فإذا كان الهادي هو المضلّ فمن يهدي؟.