قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٣ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
فجعل له مخرجا و نجاه فينظر الله تعالى إلى القلب نظرة تخمد النفس و تمحق الهمة و تخنس العدوّ لسقوط مكانه و تذهب لخنوسه شدة سلطانه فيصفو القلب من التأثير بنور السراج المنير و يملس من التحرير بقوّة القهار العزيز فيخاف العبد مقام الرب لصفاء القلب عن نظر الرب تعالى فيفزع من الخطيئة و يهرب أو يستغفر منها و يتوب و يظهر عليه شعار تقواه. و إن أراد الله تعالى بعبد هلكة و كان قد حكم بوقوع الشر نظر القلب بعد الهمة بهوى النفس إلى العقل فرجع العقل إلى النفس فسوّلت و طوعت فسكن العقل و اطمأن إلى تسويل النفس و طوعها فانشرح الصدر بالهوى لسكون العقل و انتشر الهوى في القلب لشرح الصدر و توسعته فقوي سلطان العدوّ لاتساع مكانه فأقبل بتزيينه و غروره و أمانيه و وعده يوحي بذلك زخرفا من التحول و غرورا فيضعف سلطان الإيمان لقوّة سلطان العدوّ و خفاء نور اليقين فغلب الهوى لقوّة الشهوة فأحرقت الشهوة العلم و البيان فارتفع الحياء و استتر الإيمان بالشهوة فظهرت المعصية لغلبة الهوى و ارتفاع الحياء. و هذان المعنيان من ظهور الخير و الشر و الطاعة و المعصية فلهذه الأسباب يوجدان في طرفة عين فتصير أجزاء العبد جزأ واحدا و مفصلاته تعود بالمراد منه فصلا واحدا كالبرق في السرعة بتغليب القدرة على المشيئة إذا قال جلّ و علا له: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] و إن أراد الله تعالى إظهار خير و إلهام تقوى من خزائن الملكوت حرّك الروح بخفي اللطف فتحركت بأمره جلّت قدرته فقدح من جوهرها نور سطع في القلب همة عالية و همة الخير ترى بأحد ثلاثة معان لا تحصى فروعها لأن كل عبد همته في الخير مبلغ علمه و منتهى مقامه. فأحد الأصول مسارعة إلى أمر يفرض أو ندب لفضل يكون عن عمل حال العبد أو علم يكون فطنة له أظهر عليه من مكاشفة غيب من ملك أو ملكوت. و المعنى الثالث بتحمل مباح من تصرف فيما يعني مما يعود صلاحه عليه و استراحة النفس بما أبيح له يكون نفعه لغيره أو ترويحات من الأفكار لقلبه الغائص في البحار يكون حملا لكربه و تخفيفا لثقله. فهذه مرافق للعبد باختيار من المعبود و حكمة من الحكيم و في كلها رضاه سبحانه و تعالى فإمضاؤها أفضل للعبد و بعضها أفضل من بعض. و هذه الأصول الستة من الخير و الشر هي الفرق بين لمة الملك و بين لمة العدوّ و بين إلهام التقوى و إلهام الفجور التي هي النية و الوسوسة، و هما الاختيار أو الاختبار. و قد تكون هذه المعاني مكاشفات مزيد للعبد ينظر إلى الله منها و يجد الله تعالى بما أوجده منه عندها و يكون تعريفاً من الله يتعرف إليه بها و يفتح له باب الأنس و الشوق منها ثم تتفاوت العباد في مشاهدتها على