قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٦ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
لخفائه و غموض شواهده فليس يعلم إلا بباطن العلم و غامض الفهم و الغوص على لطائف معاني التبيين و باطن الاستنباط من فهم التنزيل و تعليم التأويل كما قال الحبيب الخليل رسول الله صلّى الله عليه و سلم لابن عباس: اللّهم فقهه في الدين و علمه التأويل. كما قال علي بن أبي طالب: ما عندنا شيء أسره إلينا رسول الله سوى كتاب الله تعالى إلا أن يؤتي الله تعالى عبدا فهما في كتابه. و كما جاء في تفسير قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ من يَشاءُ [البقرة: ٢٦٩] قال: الفهم في كتاب الله. و قال أصدق القائلين: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [الأنبياء: ٧٩] فخصه بفهم منه زاده به فوق الحكم و العلم الذي شرك فيه أباه فزاده على فتيا أبيه. و روينا عن علي عليه السلام في الحديث الطويل الذي يقول فيه: و اليقين على أربع شعب، على تبصرة الفطنة. و تأويل الحكمة، و موعظة العبرة. و سنة الأوّلين. فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة و من تأول الحكمة عرف العبرة و من عرف العبرة كان في الأوّلين إلا أن أهل اليقين المرادين به العارفين بأحكام الله تعالى الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين و مقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب و بحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور الله الثاقب و قربه الحاضر و سلطانه النافذ. كما جاء في الخبر: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى أي باليقين. و في لفظ آخر: اتقوا فراسة العالم فكأنه مفسر له و منه قوله تعالى: إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥] و قوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة: ١١٨] أي بنور اليقين. و كان أبو الدرداء يقول: المؤمن ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق و الله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم و يجريه على ألسنتهم. و قال بعض العلماء: ظن المؤمن كهانة أي كأنه سحر من نفاذه و صحة وقوعه. و قال بعض العلماء: يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله عزّ و جلّ لهم من الحق. و قال آخر: لو شئت لقلت إن الله يطلع الخاشعين على بعض سره. و كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد: احفظوا ما تسمعون من المتعظين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة. و قال الله تعالى: وَ من أَصْدَقُ من الله قِيلًا [النساء: ٨٧]: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال: ٢٩] قيل نور تفرقون به بين الشبهات و يقين تفرقون به المشكلات. و من هذا قوله سبحانه و تعالى: وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق: ٢] قيل مخرجا من كل أمر ضاق على الناس و يرزقه من حيث لا يحتسب يعلمه علما بغير تعليم و يفطنه بغير تجربة أي بالشاهد الصحيح و الحق الصريح. و مثله قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩]