قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٣ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
تشككت فيه لاحتمال ذلك و لم يكن عندك يقين عين تدفع به قولي و لا شهادة نظر تنكر بها عليّ و هذا مثل لإيمان عموم المؤمنين فهو إيمان خبر لعمري و فيه يقين استدلال ممتزج بظنه إلا أنه غير مشاهدة العارفين لأنه قد يدخل عليهم التخييل و التشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ثم إنك تدخل إليّ الآن بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده جالسا لا حجاب بينك و بينه. فهذا هو يقين المعرفة و هذه شهادة الموقن و عندها انتفى كل شك و تحقق خبر العلم و هذا مثل لعلم إيمان الموقنين الذي قد اندرج فيه إيمان عموم المؤمنين من علم الخبر المحتمل و من سماع الكلام المشتبه من وراء حجاب و اسم الإيمان واقع على جميعهم و لكن الأوّل علم أنه عندي بما قيل له فصدق و الثاني علم بما سمع فاستدل و لم يشهد فيقطع و الثالث هو الذي عاين فقطع و قد شهد له الرسول صلّى الله عليه و سلم بالمزيد فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ليس الخبر كالمعاينة و قال: و ليس المخبر كالمعاين. و مثل هذا أيضا أن ترى الشيء بالنهار فتعرفه معرفة عين و تعرف مكانه بنظر لا تخطئه ثم إنّك تحتاج إليه ليلا فلست تعرف مكانه رأي عين و إنما تقصده بمعرفة استدلال عليه و بحسن ظن أنه موجود على حاله أو يعرف بشيء معهود أنه لا يتحول. و كذلك الأدلة هي الغائبات و سقوطها مع المشاهدات و بمعناها رؤية الشيء بنور القمر فإنه يشبح و يلوح المشكلات و رؤيته في ضياء الشمس فإنها تكشف الأمر على ما هو به. فهذا مثل نور اليقين إلى نور الإيمان و مثل رابع في تفاوت المؤمنين في حقيقة الكمال و دخولهم في الاسم و المعنى مثل صلاة رباعية أقيمت فجاء رجل فأدرك تكبيرة الإحرام ثم جاء آخر فأدرك الركوع ثم جاء آخر فأدرك الركعة الثانية ثم جاء ثالث فأدرك الركعة الثالثة ثم جاء رجل رابع فأدرك الركعة الآخرة فكلهم قد صلوا و أدركوا الصلاة في جماعة و نال فضلها لقوله صلّى الله عليه و سلم: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة. و لكن ليس من أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة و إدراك حقيقتها كمن أدرك الثالثة و الرابعة و لا يكون أيضا من أدرك التكبيرة للإحرام في الفضل كمن لم يدرك شيئا من القيام و هما مدركان معا فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان و حقائقه لا يستوون و إن استووا في الاسم و المعنى و كذلك في تفاوتهم في الآخرة. فقد جاء في الخبر أنه يقال: أخرجوا من قلبه مثقال ذرة من إيمان و نصف مثقال و ربع مثقال و شعيرة و ذرة من إيمان فقد حصلوا متفاوتين في الإيمان ما بين الذرة إلى المثقال و كلهم قد دخل النار إلا أنهم على مقامات فيها و فيه دليل أن من كان في قلبه وزن دينار من إيمان لم يمنعه ذلك من دخول النار لعظم ما اقترف من الأوزار و أن من كان في