قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٥ - ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين
بعضا يزورون ذا الجلال و الإكرام فينادون هؤلاء: يا إخواننا ما أنصفتمونا، كنا نصلّي كما تصلون و نصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به علينا؟ قال: فإذا النداء من الله عزّ و جلّ إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون و يعطشون حين تروون و يعرون حين تكتسون و يبكون حين تضحكون و يقومون حين تنامون و يخافون حين تأمنون فلذلك فضلوا عليكم اليوم. فذلك قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]. و قد جاء في الخبر: أكثر أهل الجنة البله و عليون لذوي الألباب. ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين قال الله تعالى مخوفا للكافة: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ثم أجابه فقال: كَلَّا و حقق قوله تعالى فقال: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [المؤمنون: ١٠٠] ثم نهى المؤمنين نهيا صريحا عن مثل هذه الحال و أخبر بنقصان من فعل ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله [المنافقون: ٩] أي لا تشغلكم عن الطاعة الله تعالى ثم قال: وَ من يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: ١٧] أي المغبونون المنقوصون في الآخرة لأنهم آثروا المال و الولد على الخالق الرازق ثم أمر بالإنفاق مما رزق و قرنه بالإيمان و أخبر أنه استخلفنا في ملكه اختبارا لنا فقال: آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: ٧] فيه فسمع الغافلون نصف الكلام فآمنوا و لم ينفقوا و عقل العاملون كل الكلام فآمنوا و أنفقوا و ما يعقلها إلا العالمون. و قال سبحانه: وَ أَنْفِقُوا من ما رَزَقْناكُمْ من قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ من الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠] أي بالأعمال و كان ابن عباس يقول: هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد لأنه لا يتمنّى التأخير و الرجوع إلى الدنيا أحد له عند الله خير في الآخرة. و مثل هذا قوله سبحانه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله [الزمر: ٥٦] الحسرة هي أعظم الندامة و هي اسم لفوت شيء لا تدارك فيه فرطت أي ضيعت و ونيت و فرط مني أي ذهب و فات و جنب الله قيل: على ما فاتني من الجزاء منه في الآخرة و قيل: ما فات من النصيب في أيام الدنيا إلى قوله أو تقول حين ترى العذاب: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً [الزمر: ٥٨] يعني إلى الدنيا عودة أخرى فَأَكُونَ من الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٨]، و قوله أن تقول نفس من الكلام المضمر المعطوف و مضمره من قبل أن تقول أو خشية أن تقول و معطوفه هو قوله: وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ [الزمر: ٥٤]، أي أقبلوا إليه و توبوا