قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٤ - ذكر المقام الأول من المراقبة
الفصل الثامن و العشرون فيه كتاب مراقبة المقربين و مقامات الموقنين ذكر المقام الأول من المراقبة العبد إذا قوي يقينه علم علم يقين أن أوقاته هذه التي وكّل تربيته إليها و جعل سبب نمائه و حياته منها و هي مكررة عليه في البرزخ و مردودة إليه يوم القيامة و معادة عليه في الجنة إن دخلها ليس يجازي هناك إلا بمقدار ما أعطي من المعاملة هاهنا، و لا يعطي ثم إلا بقدر ما وفق هاهنا. لا يسأل إلا عن أوقاته، و لا يحاسب إلا بساعاته، و لا يجازي إلا عليها و لا ترد عليه أوقات غيره، كما لا يعاد هو في صورة غيره و لا يعطى جزاء سواه كما لم يعامل هاهنا معاملة سواه و لكن الله يبدئ و يعيد. فيمن ذلك قوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٩] و قال تعالى: أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم: ٣٥] كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ ٢٩] من تدبره: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ في الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ٢٨] أي تدبروا آياته هل ترون جزاء هؤلاء لوصف هؤلاء أم هل تجدون وصف هؤلاء له جزاء أو لا و مثله قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ [النساء: ١٢٣] فنفى أمانيهم بليس و أنبت حكمه بلكن و هي مضمرة في الكلام المعني لكن من يعمل سوءا يجزيه. و فسره رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال المؤمن يجزى بسيئته في الدنيا من المصائب و الجوع و العري، و المنافق تبقى ذنوبه عليه حتى يوفي يوم القيامة كأنه حمار يجازى بها في الآخرة. و كان الحسن يقول: عباد الله، اتقوا هذه الأماني، فإنها أودية النوكى يحلون فيها، و الله ما أتى عبد الله بأمنيته خيرا من دنياه و لا آخرته. و قال بعض العلماء: كلما قل العقل كثرت الأماني. و كتب بعض السلف إلى بعض إخوانه من أبناء الدنيا يعظه: أخبرني عن هذا الذي تكدح فيه و تحرص عليه من أمر الدنيا هل بلغت فيه ما تريد و أدركت ما تتمنى؟ فقال: لا و الله. فقال: أ رأيتك هذا الذي أنت حريص عليه لم تنل منه ما تريد فكيف تنال من الآخرة و قد أعرضت عنها و صرفت عنها فما أراك تضرب إلا في حديد بارد. و قال بعض العلماء: