قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٤ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين، و ذلك إن من كان مقامه المراقبة كان حاله المحاسبة و من كان مقامه المشاهدة كان وصفه المراقبة فأول شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت و إن قصر من أحد ثلاثة معان: أن يكون للَّه عزّ و جلّ عليه فرض، و الفرض على ضربين شيء أمر بفعله أو شيء أمر بتركه و هو اجتناب المنهي، و المعنى الثاني ندب حث عليه و هو المسابقة بخير يقربه إلى الله عزّ و جلّ و المسارعة بعمل بر يبتدره قبل فوته، و المعنى الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه و قلبه و ليس للمؤمن وقت رابع فإن أحدث وقتا رابعا فقد تعدّى حدود الله و من يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه و قد أحدث في دين الله سبحانه و تعالى و من أحدث في دين الله فقد سلك غير طريق المتقين. ألم تسمع إلى قوله عزّ و جلّ: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان: ٦٢] فهل ترى بين هذين وقتا يجهل أو هوى كما لا ترى بين الليل و النهار وقتا ثالثا. فالذكر الإيمان و العلم، فهذان ينتظمان جهل أعمال القلوب و الشكر و العمل بأخلاق الإيمان و أحكام العلوم، و هذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح. قال الله عزّ و جلّ: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٢] و قال: فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] و قال: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ [البقرة: ١٥١] إلى قوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢] و قال الله تعالى: ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ [النساء: ١٤٦] و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: و قد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه فقال: أ فلا أكون عبدا شكورا. ففسر الشكر بالعمل كما فسر الله عزّ و جلّ العمل بالشكر، و الوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه معين عليهما و به استقامة العبد فيهما. و قد كان بعض العلماء يقول: لنا في معاصي الطاعات همّ و شغل عن معاصي المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت هل للَّه عزّ و جلّ فيه فرض من أمر أو نهي؟ فيبدأ بذلك