قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٩ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
نظره إلى ماله في ميزان غيره، و مما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال: قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا جملا مشويا و دعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل و أخذ لقمة و جعلها في فيه لفظها ثم اعتزل و قال: كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل. فقلنا: لا نأكل إن لم تأكل معنا. فقال: أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف. قال: فكرهنا أن نأكل دونه. فقلنا: لو دعونا الشوّاء فسألناه عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر أنه كان ميتة و أن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق أنكم اشتريتموه. قال: فمزقناه للكلاب. قال: ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله و بأي عارض؟ فقال: أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت أكله لأجل شره النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا في التوفيق و الخذلان فعصم العالم بالورع و المحاسبة و ترك الجاهل مع شره النفس بالحرص و تركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب و هو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم تدارك البائع بعد وقوعه لصدق المشتري و حسن نيته. و جبلات النفس الأربعة هي أصول ما تفرّع من هواها و هي مقتضى ما فطرها عليه مولاها: أولها الضعف و هو مقتضى فطرة التراب، ثم البخل و هو مقتضى جبلة الطين، ثم الشهوة و موجبها الحمائم. الجهل و هو ما اقتضاه موجب الصلصال و هذه الصفات على معاني تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج ففيه بدء الأمت و الإعوجاج. ذلك تقدير العزيز العليم. ثم إن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة: أولها معاني صفات الربوبية نحو الكبر و الجبرية و حب المدح و العز و الغنى و مبتلاة بأخلاق الشياطين مثل الخداع و الحيلة و الحسد و الظنة و مبتلاة بطبائع إليها ثم و هو حب الأكل و الشرب و النكاح و هي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف و التواضع و الذل بمعنى ما قلناه. قيل: إنها خلقت متحركة و أمرت بالسكوت و إني لها بذلك إن لم يتداركها المالك و كيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها بالخير فلا يكون العبد عبدا مخلصا حتى يكون للمعاني الثلاث مخلصا فإذا تحقق بأوصاف العبودية كان خالصا من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية. فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في المعاملة عند العاملين، و بذلك رفعوا إلى مقامات القرب و ذلك أنه لا يكون عندهم عبدا