قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٧ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
المسارع و سيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المتثبت كما وقف طائفة من الصحابة عن القتال مع أهل العراق و أهل الشام لما أشكل عليه الحال منهم سعد و ابن عمر و أسامة و محمد بن مسلمة و غيرهم. فمن لم يتوقف عند الشبهات و أقدم عليها كان متبعا لهواه معجبا برأيه و هذا من معنى الخبر الذي جاء في ذم من كان هذا وصفه. فإذا رأيت شحا مطاعا و هوى متبعا و إعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك فلم يذم بوجود الشح لأنه صفة النفس و إنما ذم من أطاع النفس في شحّها بإمساك محبوبها على إيثار محبة الله عزّ و جلّ من الإنفاق و مثله و هوى متبع فلم يغب بوجود الهوى لأنه روح النفس مستكن فيها و إنما عيب باتباعه و كذلك قوله: و إعجاب كل ذي رأي برأيه لم ينقصه بوجود رأيه ممّا رآه من الأمر لأنه نتيجة عقله و ثمرة فهمه و إنما نقصه بنظره إليه و إدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه و بنور هداه و بإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارا برأيه. و قد قال الله عزّ و جلّ: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] و قد وصف أهل الرأي من أوليائه في قوله عزّ و جلّ: إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥]. و قال تعالى: عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨]. و جاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن و ما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح. و جاء: أنتم شهداء الله في أرضه. و عن بعض السلف: أفضل العبادة الرأي الحسن، فأما ما أشكل لتجاذب الأمثال و لم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف و لا تمضي حتى ينكشف، و أما ما اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين من الحرام و الحلال ثم ترده إلى أشبههما به و هذا ظاهر مثل ما أحلت طائفة النظر إلى الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه مشتبه قال الله عزّ و جلّ: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ [الأنعام: ٩٩]. و قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا من أَبْصارِهِمْ [النور: ٣٠] فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس و مثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى القرآن حلالا و الاستماع إلى الغناء حراما و كانت القصائد بالغناء أشبه فكرهناه لغير أهله. و كذلك القول في تلحين القرآن: إذا جاوز الحد في مد المقصور و قصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني و مثل لبس القطن و لبس الحرير فكرهنا لبس الملحم و العمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها و القطع بظاهر الأمر عليها و هو معنى قول الله عزّ و جلّ عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد و تهدده عليه بمساءلة الجوارح عنه في قوله تعالى: