قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٣ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: غسل الجمعة واجب على كل محتلم. و المشهور من حديث نافع عن ابن عمر: من أتى الجمعة فليغتسل و كان أهل المدينة يتسابون بينهم فيقولون لأنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة. و قد قال عمر لعثمان رضي الله عنهما لما دخل و هو يخطب: أ هذه الساعة فقال: ما زدت بعد أن سمعت الأذان أن توضأت و خرجت. فقال عمر: و الوضوء أيضا. و قد علمت أن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان يأمر الغسل و لكن في ترك بالغسل رخصة لوضوء عثمان مع علمه و يسند ذلك إلى الخبر المسند من توضأ يوم الجمعة فبها و نعمت و من اغتسل فالغسل أفضل. و روينا عن الصحابة: أمرنا بالغسل يوم الجمعة فلما جاء الشتاء كان من شاء اغتسل و من لم يشأ ترك الغسل. و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: من شهد الجمعة من الرجال و النساء فليغتسل فلذلك قال مالك بن أنس إن النساء إذا حضرن الجمعة اغتسلن له و من اغتسل من جنابة أجزأه لغسل الجمعة إذا نوى و لا بدّ من النية لغسل الجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل. و يكون الغسل للجمعة داخلا فيه. فإذا أفاض عليه الماء ثانية بعد غسله للجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل دخل بعض الصحابة على ابنه يوم الجمعة و هو يغتسل فقال: للجمعة غسلك هذا؟ قال: لا بل من الجنابة. قال: فأعد غسلا ثانيا فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول: واجب على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة. و من اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه و لكن أفضل الغسل لها عند الرواح إلى الجامع و أحب أن لا يحدث وضوءا بعد الغسل حتى يفرغ من صلاة الجمعة فمن العلماء من كره ذلك و لكن إن بكر إلى الجامع فتوضأ هناك من حدث لحقه لامتداد الوقت فإنه على غسل الجمعة و يستحب أن يستاك و أن يلبس من صالح ثيابه و يجتنب الشهرة من الثياب و من أفضل ما لبس البياض أو يمانيين و لبس السواد يوم الجمعة ليس من السنة و لا من الفضل أن ينظر إلى لابسه و ليقلّم أظفاره و يأخذ من شاربه فقد روي فضل ذلك من فعل رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و من أمره. و قد روينا عن ابن مسعود و غيره من قلّم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عزّ و جلّ منها داء و أدخل شفاء و ليتطيب بالطيب طيبه مما ظهر ريحه و خفي لونه فذلك طيب الرجال و طيب النساء مما ظهر لونه و خفي ريحه. روينا ذلك في الأثر و تستحب العمامة يوم الجمعة. و قد روينا فيها حديثا شاذا عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إن الله عزّ و جلّ و ملائكته يصلّون على أصحاب العمائم يوم الجمعة فإن أكربه الحر فلا بأس أن ينزعها قبل الصلاة و بعدها و لكن يخرج من منزله إلى الجامع و هو لابسها و لا يصلّي إلا معتما بها لتحصل له فضيلة العمة، فإن نزعها فليلبسها حينئذ عند صعود الإمام المنبر ثم ليصلّ