نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٢ - ١٠٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
و فيم أذهب دهره، و يتذكّر أموالا جمعها: أغمض فى مطالبها [١] و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها، قد لزمته تبعات جمعها [٢] و أشرف على فراقها: تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، و يتمتّعون بها، فيكون المهنأ لغيره [٣] و العبء على ظهره [٤]. و المرء قد غلقت رهونه بها [٥] فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره [٦]، و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره، و يتمنّى أنّ الّذى كان يغبطه بها و يحسده عليها قد حازها دونه! فلم يزل الموت يبالغ فى جسده حتّى خالط لسانه سمعه [٧]، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه، و لا يسمع بسمعه: يردّد طرفه بالنّظر فى وجوههم يرى حركات ألسنتهم، و لا يسمع رجع كلامهم. ثمّ ازداد الموت التياطا [٨] فقبض بصره كما قبض سمعه، و خرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله: قد أوحشوا من جانبه، و تباعدوا من
[١] أغمض: لم يفرق بين حلال و حرام كأنه أغمض عينيه فلا يميز، أو «أغمض» أى: طلبها من أدق الوجوه و أخفاها، فضلا عن أظهرها و أجلاها
[٢] تبعاتها - بفتح فكسر -: ما يطالبه به الناس من حقوقهم فيها، و ما يحاسبه به اللّه: من منع حقه منها، و تخطى حدود شرعه فى جمعها
[٣] المهنأ: ما أتاك من خير بلا مشقة
[٤] العبء: الحمل، و الثقل
[٥] غلقت رهونه: استحقها مرتهنها، و أعوزته القدرة على تخليصها، كناية عن تعذر الخلاص
[٦] أصحر له: إذا برز فى الصحراء، أى: على ما ظهر له و انكشف من أمره
[٧] «خالط لسانه سمعه»: شارك السمع اللسان فى العجز عن أداء وظيفته
[٨] «التياطا» أى: التصاقا به