نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٨ - ٨١ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَجِيبَةٍ
إليها أعمته.
قال الشريف: أقول: و إذا تامل المتأمل قوله عليه السّلام «من أبصر بها بصرته» وجد تحته من المعنى العجيب و الغرض البعيد ما لا تبلغ غايته و لا يدرك غوره، و لا سيما إذا قرن إليه قوله «و من أبصر إليها أعمته»، فإنه يجد الفرق بين «أبصر بها» و «أبصر إليها» واضحا نيرا و عجيبا باهرا
٨١ - و من خطبة له عجيبة
الحمد للّه الّذى علا بحوله [١]، و دنا بطوله [٢]، مانح كلّ غنيمة و فضل، و كاشف كلّ عظيمة و أزل [٣] أحمده على عواطف كرمه، و سوابغ نعمه [٤]، و أومن به أوّلا باديا [٥]، و أستهديه قريبا هاديا، و أستعينه قادرا قاهرا،
لقلبه آثار الجد فى عظائم الأعمال، و تمثل له هياكل المجد الباقية، مما رفعته أيدى الكاملين، و تنكشف له عواقب أهل الجهالة من المترفين، فقد صارت الدنيا له بصرا و حوادثها عبرا. و أما من أبصر إليها و اشتغل بها فانه يعمى عن كل خير فيها و يلهو عن الباقيان بالزائلات و بئس ما اختار لنفسه!،
[١] «علا بحوله» أى: عز و ارتفع عن جميع ما سواه، لقوته المستعلية بسلطة الايجاد على كل قوة
[٢] «دنا بطوله» أى: إنه مع علوه، سبحانه، و ارتفاعه فى عظمته فقد دنا و قرب من خلقه بطوله، أى: عطائه و إحسانه
[٣] الأزل - بالفتح - الضيق و الشدة، و كاشف الشدة: المنقذ منها، كما أن مانح الغنيمة: معطيها المتفضل بها
[٤] العواطف: ما يعطفك على غيرك، و يدنيه من معروفك. و صفة الكرم فى الجناب الالهى، و خلقه فى البشر، مما يعطف الكريم على موضع الاحسان و سوابغ النعم: كواملها، من سبغ الظل: إذا عم و شمل
[٥] أولا باديا: موضعه من سابقه كموضع «قريبا هاديا» و ما جاء به بعده من سوابقها، فهى أحوال من الضمائر الراجعة إلى اللّه سبحانه و تعالى، فيكون «أول» صفة نصبت على الحال من ضمير به، أى: أصدق باللّه حال كونه سابق كل شىء فى الوجود، فهو البادى: أى