نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥ - ١ - فمن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض، و خلق آدم و فيها ذكر الحج
و أدوات يقلّبها، و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل و الأذواق و المشامّ، و الألوان و الأجناس، معجونا بطينة الألوان المختلفة [١] و الأشباه المؤتلفة، و الأضداد المتعادية و الأخلاط المتباينة، من الحرّ و البرد، و البلّة و الجمود، و استأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم [٢] و عهد وصيّته إليهم، فى الإذعان بالسّجود له، و الخشوع لتكرمته، فقال سبحانه: «اُسْجُدُوا لِآدَمَ»
فسجدوا إلاّ إبليس اعترته الحميّة و غلبت عليه الشّقوة [٣] و تعزّز بخلقة النّار و استهون خلق الصّلصال، فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسّخطة، و استتماما
شؤونك كلها، و الأدوات: جمع أداة، و هى الآلة، و تقليبها: تحريكها فى العمل بها فيما خلقت له.
[١] معجونا صفة «إنسانا»، و الألوان المختلفة: الضروب و الفنون، و تلك الألوان هى التى ذكره من الحر و البرد و البلة و الجمود.
[٢] استأدى الملائكة وديعته: طلب منهم أداءها، و الوديعة هى عهده إليهم بقوله: (إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ) و يروى الخنوع بالنون بدل الخشوع و هو بمعنى الخضوع. و قوله «فقال اسجدوا الخ» عطف على استأدى.
[٣] الشقوة - بكسر الشين و فتحها - ما حتم عليه من الشقاء. و الشقاء: ضد السعادة، و هو النصب الدائم و الألم الملازم، و تعززه بخلقة النار: استكباره مقدار نفسه بسبب أنه خلق من جوهر لطيف و مادة أعلى من مادة الصلصال، و الصلصال: الطين الحر خلط بالرمل، أو الطين ما لم يجعل خزفا. و المراد من الصلصال هنا مادة الأرض التى خلق آدم عليه السلام منها، و جوهر ما خلق منه الجن - و هم من الجواهر اللطيفة - أعلى من جوهر ما خلق منه الانسان، و هو مجبول من عناصر الارض، و النظرة - بفتح فكسر -: الانتظار به حيا، ما دام الانسان عامرا