نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧١ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم [١]، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم [٢] و لم تختلف فى مقاوم الطّاعة مناكبهم [٣]، و لم يثنوا إلى راحة التّقصير فى أمره رقابهم، و لا تعدو [٤] على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات، و لا تنتضل فى هممهم خدائع الشّهوات [٥] قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم [٦]. و يمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم [٧] لا يقطعون أمد غاية عبادته، و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته [٨] إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته [٩] لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم [١٠] فينوا فى جدّهم [١١] و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعى على اجتهادهم [١٢] و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، و لو استعظموا
[١] الأسلات: جمع أسلة، و أسلة اللسان: طرفه، أى: لم تيبس أطراف ألسنتهم فتقف عن ذكره
[٢] الهمس: الخفى من الصوت، و الجؤار: رفع الصوت بالتضرع، أى: لم يكن لهم عن اللّه شاغل يضطرهم للهمس و الاخفاء و خفض جؤارهم بالدعاء إليه
[٣] المقاوم: جمع مقام، و المراد الصفوف
[٤] لا تسطو
[٥] انتضلت الابل: رمت بأيديها فى السير سرعة. و خدائع الشهوات للنفس منها، أى: لم تسلك خدائع الشهوات طريقا إلى هممهم فتفترها
[٦] حاجتهم
[٧] يمموه: قصدوه بالرغبة و الرجاء عند ما انقطعت الخلق سواهم إلى المخلوقين
[٨] الاستهتار: التولع
[٩] مواد: جمع مادة، أصلها من «مد البحر» إذا زاد، و كل ما أعنت به غيرك فهو مادة، و يريد بها البواعث المعينة على الأعمال، أى: كلما تولعوا بطاعته زادت بهم البواعث عليها من الرغبة و الرهبة
[١٠] الشفقة: الخوف
[١١] ونى ينى: تأنى
[١٢] وشيك السعى: مقاربه و هينه، أى: إنه لا طمع فى غيره فيختاروا هين السعى على الاجتهاد الكامل