نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٩ - ٢٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب، و غرض مطلوب، و هذه صفة الجنة و ليس هذا المعنى موجودا فى النار نعوذ باللّه منها، فلم يجز أن يقول «و السبقة النار» بل قال «و الغاية النار»، لأن الغاية ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء و من يسره ذلك، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا، فهى فى هذا الموضع كالمصير و المآل، قال اللّه تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنّٰارِ) و لا يجوز فى هذا الموضع أن يقال: سبقتكم - بسكون الباء - إلى النار، فتأمل ذلك فباطنه عجيب و غوره بعيد. و كذلك أكثر كلامه عليه السلام، و فى بعض النسخ، و قد جاء فى رواية أخرى «و السبقة الجنة» - بضم السين - و السبقة عندهم: اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض، و المعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم، و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود.
٢٩ - و من خطبة له عليه السّلام
أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم [١]، كلامكم يوهى الصّمّ الصّلاب [٢] و فعلكم يطمع فيكم الأعداء! تقولون فى المجالس: كيت
[١] أهواؤهم: آراؤهم و ما تميل إليه قلوبهم و الأهواء: جمع هوى، بالقصر - و أصله إرادة النفس و ما تميل إليه محمودا كان أو مذموما، ثم غلب فى الاستعمال على غير المحمود
[٢] الصم: جمع أصم، و هو من الحجارة الصلب المصمت، و الصلاب: جمع صليب، و الصليب: الشديد، و بابه ظريف و ظراف و ضعيف و ضعاف. و يوهيها: يضعفها و يفتتها. يقال: و هى الثوب و وهى يهى وهيا - من باب ضرب و حسب - تخرق و انشق، و أوهاه يوهيه إيهاء: شقه و خرقه: أى: تقولون من الكلام ما يفلق الحجر بشدته و قوته، ثم يكون فعلكم، من الضعف و الاختلال