نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٥ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
حدودها [١]، و لاءم بقدرته بين متضادّها، و وصل أسباب قرائنها [٢] و فرّقها أجناسا مختلفات فى الحدود و الأقدار و الغرائز و الهيئات [٣] بدايا خلائق أحكم صنعها [٤] و فطرها على ما أراد و ابتدعها.
منها فى صفة السماء:
و نظم بلا تعليق رهوات فرجها [٥]، و لاحم صدوع انفراجها [٦]، و وشّج بينها و بين أزواجها [٧]. و ذلّل للهابطين بأمره، و الصّاعدين بأعمال
[١] نهج: عين و رسم
[٢] قرائنها: جمع قرينة، و هى: النفس، أى: وصل حبال النفوس - و هى من عالم النور - بالأبدان، و هى من عالم الظلمة
[٣] الغرائز: الطبائع
[٤] بدايا: جمع بدىء، أى: مصنوع
[٥] رهوات: جمع رهوة، أى: المكان المرتفع. و يقال للمنخفض أيضا، فهو من الأضداد، و الفرج: جمع فرجة - بضم فسكون - و هى المكان الخالى، يقول: قد فرج اللّه ما بين جرم و آخر من الأجرام السماوية، و نظمها على ذلك سماء، بدون تعليق إحداها بالأخرى، و ربطها بها بآلة حسية
[٦] لاحم أى: ألصق، و الصدوع: جمع صدع، و هو الشق، أى: ما كان فى الجرم الواحد منها من صدع لحمه سبحانه، و أصلحه فسواه، و ذلك كما كان فى بدء خلقه الأرض، و انفصالها عن الأجرام السماوية، و انفراج الأجرام عنها، فما تصدع بذلك أصلحه اللّه: (أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا)
[٧] «وشج» بالتضعيف - أى: شبك من «وشج حمله» إذا شبكه بالأربطة حتى لا يسقط منه شىء، و تقول «وشجت الغصون» بالتخفيف - أى: اشتبكت، و تقول: «بيننا رحم واشجة» أى: مشتبكة، أى: أنه سبحانه شبك بين كل سماء و أجرامها، و بين أزواجها - أى: أمثالها و قرنائها - من الأجرام الأخرى، فى الطبقات العليا و السفلى عنها، بالروابط الماسكة المعنوية العامة، و هى من أعظم المظاهر لقدرته