نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٤ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
بيّناتك، و إنّك أنت اللّه الّذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهبّ فكرها مكيّفا [١] و لا فى رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا [٢]
و منها: قدّر ما خلق فألطف تقديره، و دبّره فأحكم تدبيره، و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته، و لم يقصّر دون الانتهاء إلى غايته، و لم يستصعب إذ أمر بالمضىّ على إرادته [٣] و كيف و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته؟ المنشىء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها، و لا قريحة غريزة أضمر عليها [٤] و لا تجربه أفادها من حوادث الدّهور [٥] و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، فتمّ خلقه و أذعن لطاعته، و أجاب إلى دعوته، و لم يعترض دونه ريث المبطىء [٦] و لا أناة المتلكّئ [٧] فأقام من الأشياء أودها [٨] و نهج
[١] أى: لم تكن متناهيا محدود الأطراف حتى تحيط بك العقول فتكيفك بكيفية مخصوصة
[٢] «مصرفا» أى: تصرفك العقول بأفهامها فى حدودك
[٣] استصعب المركوب: لم ينقد فى السير لراكبه، و كل مخلوق خلقه اللّه لأمر أراده بلغ الغاية مما أراد اللّه منه و لم يقصر دون ذلك منقادا غير مستصعب
[٤] غريزة: طبيعة و مزاج، أى: ليس له مزاج كما للمخلوقات الحساسة فينبعث عنه إلى الفعل، بل هو انفعال بما له بمقتضى ذاته، لا بأمر عارض
[٥] أفادها: استفادها
[٦] «لم يعترض دونه» أى: دون الخلق و إجابة دعوة اللّه، و الريث: التثاقل عن الأمر، أى: أجاب الخلق دعوة الخالق فيما وجهت إليه فطرته بدون مهل
[٧] الأناة: تؤدة يمازجها روية فى اختيار العمل و تركه و المتلكئ: المتعلل، يقول: أجاب العبد ربه طائعا مقهورا بلا تلكؤ
[٨] أودها: اعوجاجها