نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١ - ١ - فمن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض، و خلق آدم و فيها ذكر الحج
على متن الرّيح العاصفة، و الزّعزع القاصفة. فأمرها بردّه [١] و سلّطها على شدّه، و قرنها إلى حدّه. الهواء من تحتها فتيق [٢] و الماء من فوقها دفيق. ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها [٣] و أدام مربّها، و أعصف مجراها، و أبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزّخّار [٤] و إثارة موج البحار، فمخضته مخض السّقاء، و عصفت به عصفها بالفضاء. تردّ أوّله إلى آخره، و ساجيه إلى مائره [٥]. حتّى عبّ عبابه. و رمى بالزّبد ركامه، فرفعه فى هواء منفتق
[١] امرها برده، أى: منعه من الهبوط، لأن الماء ثقيل و شأن الثقيل الهوى و السقوط، و سلطها على شده، أى: وثاقه، كأنه سبحانه أوثقه بها أو منعه من الحركة إلى السفل التى هى من لوازم طبعه، و قرنها إلى حده، أى: جعلها مكانا له أى: جعل حد الماء المذكور، و هو سطحه الأسفل، مماسا لسطح الريح التى تحمله أو أراد من الحد المنع، أى: جعل من لوازمها ذلك.
[٢] الفتيق: المفتوق، و الدفيق: المدفوق.
[٣] اعتقم مهبها: جعل هبوبها عقيما، و الريح العقيم التى لا تلقح سحابا و لا شجرا و كذلك كانت هذه، لأنها أنشئت لتحريك الماء ليس غير، و المرب مصدر ميمى من «أرب بالمكان» مثل ألب به، أى: لازمه، فأدام مربها، أى: ملازمتها أو أن أدام من أدمت الدلو ملأتها، و المرب، بكسر أوله: المكان و المحل.
[٤] تصفيقه: تحريكه و تقليبه، و مخضته: حركته بشدة كما يمخض السقاء بما فيه من اللبن ليستخرج زبده، و السقاء: جلد السخلة يجذع فيكون وعاء للبن و الماء جمعه أسقية و أسقيات و آساق. و «عصفت به الخ» الريح إذا عصفت بالفضاء الذى لا أجسام فيه كانت شديدة لعدم المانع. و هذه الريح عصفت بهذا الماء ذلك العصف الذى يكون لها لو لم يكن مانع.
[٥] الساجى: الساكن، و المائر: الذى يذهب و يجىء، أو المتحرك مطلقا. و عب