نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٧ - ٨٠ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِفَةِ الدُّنْيَا
شكركم، فقد أعذر اللّه إليكم بحجج مسفرة ظاهرة، و كتب بارزة العذر واضحة [١].
٨٠ - و من كلام له عليه السّلام
فى صفة الدنيا
ما أصف من دار أوّلها عناء، و آخرها فناء، فى حلالها حساب، و فى حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها فاتته [٢]، و من قعد عنها واتته، و من أبصر بها بصّرته [٣]، و من أبصر
بعد عنكم، وفاتكم، و الاشارة إلى ما تقدم من قصر الأمل، أى: فان عسر عليكم أن تقصروا آمالكم، و تكونوا من الزهادة على الكمال المطلوب لكم، فلا يغلب الحرام صبركم، أى: فلا يفتكم الركنان الآخران، و هما: شكر النعم، و اجتناب المحرم، فان نسيان الشكر يجر إلى البطر، و ارتكاب المحرم يفسد نظام الحياة المعاشية و المعادية، و البطر و الفساد مجلبة للنقم فى الدنيا و الشقاء فى الآخرة
[١] أعذر: بمعنى أنصف، و أصله مما همزته للسلب، فأعذرت فلانا سلبت عذره، أى: ما جعلت له عذرا يبديه لو خالف ما نصحته به. و يقال «أعذرت إلى فلان» أى: أقمت لنفسى عنده عذرا واضحا فيما أنزله به من العقوبة، حيث حذرته، و يصح أن تكون العبارة فى الكتاب على هذا المعنى أيضا، بل هو الأقرب من لفظ «إليكم» و يكون الكلام على المجاز، و تنزيل قيام الحجة له منزلة قيام العذر لنا. و المسفرة: الكاشفة عن نتائجها الصحيحة، و «بارزة العذر» ظاهرته
[٢] من جرى معها فى مطالبها، و القصد بذلك أنه اهتم بها وجد فى طلبها. و قوله «فاتته» أى: سبقته، فانه كلما نال شيئا فتحت له أبواب الآمال فيها، فلا يكاد يقضى مطلوبا واحدا حتى يهتف به ألف مطلوب، و قوله «و من قعد عنها واتته» يريد به أن من قوم اللذائذ الفانية بقيمتها الحقيقية، و علم أن الوصول إليها إنما يكون بالعناء، و فواتها يعقب الحسرة عليها، و التمتع بها لا يكاد يخلو من شوب الألم فقد واتته هذه الحياة و أراحته، فانه لا يأسف على فائت منها، و لا يبطر لحاضر، و لا يعانى ألم الانتظار لمقتبل.
[٣] «أبصر بها» أى: جعلها مرآة نيرة: تجلو