نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٩ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
لم تثقلهم موصرات الآثام [١] و لم ترتحلهم عقب اللّيالى و الأيّام [٢] و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم [٣] و لم تعترك الظّنون على معاقد يقينهم [٤] و لا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم [٥]، و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم [٦] و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته فى أثناء صدورهم، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم [٧]: منهم من هو فى خلق الغمام الدّلّح [٨] و فى عظم الجبال الشّمّخ، و فى قترة الظّلام الأبهم [٩]، و منهم من خرقت
[١] مثقلاتها، مأخوذ من الاصر، و هو الثقل
[٢] ارتحله: وضع عليه الرحل ليركبه، و العقب: جمع عقبة، و هى النوبة. و الليل و النهار لتعاقبهما، أى: لم يتسلط عليهم تعاقب الليل و النهار فيفنيهم أو يغيرهم
[٣] النوازع: جمع نازعة و هى النجم أو القوس، و على الأول المراد منها الشهب، و على الثانى تكون الباء فى بنوازعها بمعنى من، و روى فى مكانه «بنوازغها» بالغين المعجمة - و هو مأخوذ من «نزغ بينهم» أى: أفسد
[٤] جمع معقد: محل العقد، بمعنى الاعتقاد.
[٥] الاحن: جمع إحنة، و هى الحقد و الضغينة
[٦] لاق: لصق، و «أثناء صدورهم» جمع ثنى، و هى التضاعيف
[٧] تقترع: يروى بالقاف المثناة - من الاقتراع، بمعنى ضرب القرعة، و يروى بالفاء الموحدة، أى: تعلو برينها فرعه، أى: علاه، و الرين - بفتح الراء - الدنس، و ما يطبع على القلب من حجب الجهالة و فى التنزيل: (كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ)
[٨] جمع دالح، و هو: الثقيل بالماء من السحاب
[٩] القترة هنا: الخفاء و البطون، و منها قالوا: أخذه على قترة، أى: من حيث لا يدرى، و الأبهم - بباء موحدة بعد الهمزة - أصله من لا يعقل و لا يفهم، وصف به الليل و صفا للشىء بما ينشأ عنه، فان الظلام الحالك يوقع فى الحيرة، و يأخذ بالفهم عن رشاده.