نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٨ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الحجب، و سرادقات المجد [١] و وراء ذلك الرّجيج الّذى تستكّ منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها [٢] فتقف خاسئة على حدودها [٣]، أنشأهم على صور مختلفات، و أقدار متفاوتات أولى أجنحة تسبّح جلال عزّته لا ينتحلون ما ظهر فى الخلق من صنعته، و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا ممّا انفرد به، بل عباد مكرمون (لاٰ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)
جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، و حمّلهم إلى المرسلين ودائع أمره و نهيه، و عصمهم من ريب الشّبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، و أمدّهم بفوائد المعونة، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكينة [٤] و فتح لهم أبوابا ذللا [٥] إلى تماجيده، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده [٦]
[١] الزجل: رفع الصوت، و الحظائر: جمع حظيرة و هى المواضع يحاط عليه لتأوى إليه الغنم و الابل توقيا من البرد و الريح، و هو مجاز ههنا عن المقامات المقدسة للأرواح الطاهرة، و القدس - بضم فسكون، أو بضمتين - الطهر، و التقديس: التطهير، و الأرض المقدسة: المطهرة. و السترات: جمع سترة، و هى ما يستتر به، و السرادقات: جمع سرادق، و هو ما يمد على صحن البيت فيغطيه
[٢] الرجيج: الزلزلة و الاضطراب، و «تستك منه» أى: تصم منه الآذان لشدته، «و سبحات نور» أى: طبقات نور، و أصل السبحات الأنوار نفسها
[٣] خاسئة: مدفوعة مطرودة عن الترامى إليها
[٤] الاخبات: الخضوع، و الخشوع
[٥] جمع ذلول: خلاف الصعب
[٦] قال بعض أهل اللغة: إن منارة تجمع على منار، و إن لم يذكره صاحب القاموس، و أرى أن منارا ههنا جمع منارة بمعنى المسرجة، و هى: ما يوضع فيه الصباح، و الأعلام: ما يقام للاهتداء به على أفواه الطرق و مرتفعات الأرض، و الكلام تمثيل لما أنار به مداركهم حتى انكشف لهم سر توحيده