نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٣ - ١٦ - وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بُويِعَ بِالْمَدِينَةِ
قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلّى اللّه عليه و سلّم [١] و الّذى بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة، و لتغربلنّ غربلة و لتساطنّ سوط القدر [٢] حتّى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا، و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا [٣] و اللّه ما كتمت و شمة [٤] و لا كذبت كذبة،
إنما كانت بما كسبوا من ظلم و عدوان و ما لبسوا من جهل و فساد أحوال، ملكته التقوى و هى التحفظ من الوقوع فيما جلب تلك العقوبات لأهلها فمنعته عن تقحم الشبهات و التردى فيها، فان الشبهة مظنة الخطيئة، و الخطيئة مجلبة العقوبة.
[١] إن بلية العرب التى كانت محيطة بهم يوم بعث اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم هى بلية الفرقة، و محنة الشتات: حيث كانوا متباغضين متنافرين، يدعو كل إلى عصبيته، و ينادى نداء عشيرته، يضرب بعضهم رقاب بعض، فتلك الحالة التى هى مهلكة الأمم قد صاروا إليها بعد مقتل عثمان: بعثت العداوات التى كان قد قتلها الدين، و نفخت روح الشحناء بين الأمويين و الهاشميين و أتباع كل، و لا حول و لا قوة إلا باللّه.
[٢] «لتبلبلن» أى: لتخلطن من نحو «تبلبلت الألسن» اختلطت، «و لتغربلن» أى: لتقطعن من: غربلت اللحم، أى: قطعته و «لتساطن» من السوط، و هو أن تجعل شيئين فى الاناء و تضربهما بيدك حتى يختلطا. و قوله «سوط القدر» أى: كما تختلط الأبزار و نحوها فى القدر عند غليانه فينقلب أعلاها أسفلها و أسفلها أعلاها، و كل ذلك حكاية عما يؤولون إليه من الاختلاف و تقطع الأرحام و فساد النظام.
[٣] و لقد سبق معاوية إلى مقام الخلافة و قد كان فى قصوره عنه بحيث لا يظن وصوله إليه، و قصر آل بيت النبوة عن بلوغه و قد كانوا أسبق الناس إليه.
[٤] الوشمة: الكلمة، و قد كان رضى اللّه عنه لا يكتم شيئا يحوك بنفسه: كان أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يحابى، و لا يدارى، و لا يكذب، و لا يداجى و هذا القسم توطئة لقوله: و لقد نبئت بهذا المقام، أى: أنه قد أخبر من قبل على لسان النبى صلّى اللّه عليه و سلم بأن سيقوم هذا المقام و يأتى عليه يوم مثل هذا اليوم