نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧ - ١ - فمن خطبة له عليه السّلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض، و خلق آدم و فيها ذكر الحج
أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم [١]، و على تبليغ الرّسالة أمانتهم، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم [٢] فجهلوا حقّه و اتّخذوا الأنداد معه [٣] و اجتالتهم الشّياطين عن معرفته [٤] و اقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، و واتر إليهم أنبياءه [٥] ليستأدوهم ميثاق فطرته [٦] و يذكّروهم منسىّ نعمته، و يحتجّوا عليهم بالتّبليغ، و يثيروا لهم دفائن العقول [٧] و يروهم الآيات المقدّرة: من سقف فوقهم
مما ابتلى به الانسان امتحانا لقوته على التربية، و اقتداره على سياسة من يعولهم، و القيام بحقوقهم، و إلزامهم بتأدية ما يحق عليهم.
[١] أخذ عليهم الميثاق أن يبلغوا ما أوحى إليهم، و يكون ما بعده بمنزلة التأكيد له. و أخذ عليهم ألا يشرعوا للناس إلا ما يوحى إليهم.
[٢] عهد اللّه إلى الناس هو ما سيأتى يعبر عنه بميثاق الفطرة.
[٣] الأنداد: الأمثال، و أراد المعبودين من دونه سبحانه و تعالى.
[٤] اجتالتهم - بالجيم - صرفتهم عن قصدهم الذى وجهوا إليه بالهداية المغروزة فى فطرهم، و أصله من الدوران، كأن الذى يصرفك عن قصدك يصرفك تارة هكذا و أخرى هكذا، تقول: اجتال فلان فلانا، و اجتاله عن كذا، و اجتاله على كذا، أى: أداره عليه، يحسن له فعله، و يغريه به، و يزينه له.
[٥] واتر إليهم أنبياءه: أرسلهم و بين كل نبى و من بعده فترة، لا بمعنى أرسلهم تباعا بعضهم يعقب بعضا.
[٦] كأن اللّه تعالى - بما أودع فى الانسان من الغرائز و القوى، و بما أقام له من الشواهد و أدلة الهدى - قد أخذ عليه ميثاقا بأن يصرف ما أوتى من ذلك فيما خلق له، و قد كان يعمل على ذلك الميثاق و لا ينقضه، لو لا ما اعترضه من وساوس الشهوات، فبعث إليه النبيين ليطلبوا من الناس أداء ذلك الميثاق، أى: ليطالبوهم بما تقتضيه فطرتهم، و ما ينبغى أن تسوقهم إليه غرائزهم.
[٧] دفائن العقول: أنوار العرفان التى تكشف للانسان أسرار الكائنات و ترتفع به إلى الايقان بصانع الموجودات، و قد تحجب هذه الأنوار غيوم من الأوهام، و حجب من الخيال، فيأتى النبيون لاثارة تلك المعارف الكامنة، و إبراز تلك الأسرار الباطنة.