نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٩٢ - ٩٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها [١] حتّى يبلغها، و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه؟ و طالب حثيث يحدوه فى الدّنيا حتّى يفارقها [٢]؟ فلا تنافسوا فى عزّ الدّنيا و فخرها، و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها، و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها، فإنّ عزّها و فخرها إلى انقطاع، و إنّ زينتها و نعيمها إلى زوال و ضرّاءها و بؤسها إلى نفاد [٣]، و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء، و كلّ حىّ فيها إلى فناء، أ و ليس لكم فى آثار الأوّلين مزدجر [٤] و فى آبائكم الأوّلين تبصرة و معتبر، إن كنتم تعقلون؟! أ و لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون؟ و إلى الخلف الباقين لا يبقون؟ أ و لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون و يمسون على أحوال شتّى: فميّت يبكى، و آخر يعزّى، و صريع مبتلى، و عائد يعود، و آخر بنفسه يجود [٥] و طالب للدّنيا و الموت يطلبه، و غافل و ليس بمغفول عنه؟؟!! و على أثر الماضى ما يمضى الباقى
ألا فاذكروا هاذم اللّذّات، و منغّص الشّهوات، و قاطع الأمنيّات، عند المساورة للأعمال القبيحة [٦] و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه،
[١] الذى يجرى فرسه إلى غاية معلومة، أى مقدار من الجرى يلزمه حتى يصل لغايته
[٢] يحدوه: يتبعه، و يسوقه فى بعض النسخ «و طالب حثيث من الموت يحدوه، و مزعج فى الدنيا عن الدنيا حتى يفارقها، فلا تنافسوا الخ»
[٣] فناء
[٤] مكان للانزجار و الارتداع
[٥] من «جاد بنفسه» إذا قارب أن يقضى نحبه، كأنه يسخو بها و يسلمها إلى خالقها
[٦] «عند» متعلق باذكروا، و المساورة المواثبة، كأن العمل القبيح - لبعده عن ملاءمة الطبع الانسانى بالفطرة الالهية - ينفر من مقترفه كما ينفر الوحش فلا يصل إليه المغبون إلا بالوثبة عليه، و هو - فى غائلته على مجترمه - كالضاريات من الوحوش: فهو يثب على مواثبه ليهلكه، فما ألطف التعبير بالمساورة فى هذا الموضع