نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦١ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الكتاب عليك فرضه و لا فى سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أئمّة الهدى أثره، فكل علمه إلى اللّه سبحانه، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك. و اعلم أنّ الرّاسخين فى العلم هم الّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب [١] فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، و سمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا، فاقتصر على ذلك، و لا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين: هو القادر الّذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته [٢] و حاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته [٣] و تولّهت القلوب إليه [٤] لتجرى فى كيفيّة صفاته [٥] و غمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته [٦] ردعها و هى تجوب مهاوى سدف الغيوب [٧] متخلّصة إليه، سبحانه، فرجعت
[١] السدد: جمع سدة، و هى باب الدار، و الاقرار: فاعل «أغناهم»
[٢] ارتمت الأوهام: ذهبت أمام الأفكار كالطليعة لها، و منقطع الشىء: ما إليه ينتهى
[٣] «مبرأ - الخ» أما الملابس لهذه الخطرات فمعلوم أنه لا يصل إلى شىء لوقوفه عند وساوسه.
[٤] تولهت القلوب إليه: اشتد عشقها حتى أصابها الوله - و هو الحيرة - و قوى ميلها لمعرفة كنهه
[٥] لتجرى الخ: لتجول ببصائرها فى تحقيق كيف قامت صفاته بذاته، أو كيف اتصف سبحانه بها
[٦] «و غمضت - الخ» أى: خفيت طرق الفكر و دقت، و بلغت فى الخفاء و الدقة إلى حد لا يبلغه الوصف
[٧] «ردعها - الخ» جواب للشرط فى قوله «إذا ارتمت - الخ» و ردعها: كفها (١١ - ن - ج - ١) و ردها، و المهاوى: المهالك، و السدف - بضم ففتح - جمع سدفة، و هى القطعة من الليل المظلم، و جبهت: من جبهه إذا ضرب جبهته، و المراد ردت بالخيبة