نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٠ - ٨٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الّذى ليس له بعد فيكون شىء بعده، و الرّادع أناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه [١] ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، و لا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال، و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال [٢] و ضحكت عنه أصداف البحار، من فلزّ اللّجين و العقيان [٣] و نثارة الدّرّ و حصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده، و لا أنفد سعة ما عنده، و لكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام [٤]، لأنّه الجواد الّذى لا يغيضه سؤال السّائلين [٥] و لا يبخله إلحاح الملحّين. فانظر أيّها السّائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به [٦]، و استضئ بنور هدايته، و ما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس فى
[١] أناسى: جمع إنسان، و إنسان البصر: هو ما يرى وسط الحدقة ممتازا عنها فى لونها
[٢] أبدع الامام فى تسمية انفلاق المعادن عن الجواهر تنفسا، فان أغلب ما يكون من ذلك، بل كله، عن تحرك المواد الملتهبة فى جوف الأرض إلى الخارج، و هى فى تبخرها أشبه بالنفس، كما أبدع فى تسمية انفتاح الصدف عن الدر ضحكا
[٣] الفلز - بكسر الفاء و اللام - الجوهر النفيس، و اللجين: الفضة الخالصة، و العقيان: ذهب ينمو فى معدنه، و نثارة الدر - بالضم - منثوره، و فعالة - بالضم - فاش كثير الورود فيما كان موضوعا للجيد المختار: كالخلاصة، أو الساقط المتروك: كالقلامة، و حصيد المرجان: محصوده يشير إلى أن المرجان نبات، و قد حققته كاشفات الفنون جديدها و قديمها
[٤] أنفده: بمعنى أفناه، و نفد - كفرح - أى: فنى
[٥] يغيض - بفتح حرف المضارعة - من «غاض» المتعدى يقال: غاض الماء لازما، و غاضه اللّه متعديا. و يقال: أغاضه أيضا، و كلاهما بمعنى أنقصه و أذهب ما عنده، و يبخله - بالتخفيف - من «أبخلت فلانا» وجدته بخيلا. أما بخله - بالتشديد - فمعناه رماه بالبخل
[٦] «ائتم به» أى: اتبعه فصفه كما وصفه اقتداء به