نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٥ - ٣ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّقْشَقِيَّةِ ٣
محمّد صلّى اللّه عليه و آله من هذه الأمّة أحد، و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا: هم أساس الدّين، و عماد اليقين: إليهم يفىء الغالى، و بهم يلحق التّالى [١] و لهم خصائص حقّ الولاية، و فيهم الوصيّة و الوراثة، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله [٢] و نقل إلى منتقله
٣ - و من خطبة له و هى المعروفة بالشقشقية [٣]
أما و اللّه لقد تقمّصها فلان [٤] و إنّه ليعلم أنّ محلّى منها محلّ القطب من الرّحى: ينحدر عنّى السّيل [٥] و لا يرقى إلىّ الطّير، فسدلت دونها ثوبا [٦]،
هذا الثبور، و هو الهلاك
[١] يريد أن سيرتهم صراط الدين المستقيم: فمن غلا فى دينه و تجاوز بالافراط حدود الجادة فانما نجاته بالرجوع إلى سيرة آل النبى و تفىء ظلال أعلامهم. و قوله «و بهم يلحق التالى» يقصد به أن المقصر فى عمله المتباطئ فى سيره الذى أصبح و قد سبقه السابقون إنما يتسنى له الخلاص بالنهوض ليلحق بآل النبى و يحذو حذوهم
[٢] «الآن» ظرف متعلق برجع، و «إذ» زائدة للتوكيد، سوغ ذلك ابن هشام فى نقله عن أبى عبيدة. أو أن «إذ» للتحقيق بمعنى قد، كما نقله بعض النحاة
[٣] لقوله فيها: «إنها شقشقة هدرت ثم قرت» كما يأتى
[٤] الضمير يرجع إلى الخلافة، و فلان كناية عن الخليفة الأول أبى بكر رضى اللّه عنه
[٥] تمثيل لسمو قدره كرم اللّه وجهه و قربه من مهبط الوحى، و أن ما يصل إلى غيره من فيض الفضل فانما يتدفق من حوضه ثم ينحدر عن مقامه العالى فيصيب منه من شاء اللّه. و على ذلك قوله «و لا يرقى الخ»، غير أن الثانية أبلغ من الأولى فى الدلالة على الرفعة
[٦] فسدلت الخ: كناية عن غض نظره عنها، و سدل الثوب: أرخاه. و طوى عنها كشحا: مال عنها، و هو مثل، لأن من جاع فقد طوى كشحه، و من شبع فقد ملأه. فهو قد جاع عن الخلافة، أى: لم يلتقمها