نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٦ - ٨٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
من مائها، قد درست منار الهدى، و ظهرت أعلام الرّدى، فهى متجهّمة لأهلها [١] عابسة فى وجه طالبها، ثمرها الفتنة، و طعامها الجيفة، و شعارها الخوف، و دثارها السّيف [٢]. فاعتبروا، عباد اللّه، و اذكروا تيك الّتى آباؤكم و إخوانكم بها مرتهنون [٣] و عليها محاسبون. و لعمرى ما تقادمت بكم و لا بهم العهود، و لا خلت فيما بينكم و بينهم الأحقاب و القرون، [٤] و ما أنتم اليوم من يوم كنتم فى أصلابهم ببعيد. و اللّه ما أسمعهم الرّسول شيئا إلاّ و ها أنا ذا اليوم مسمعكموه، و ما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس و لا شقّت لهم الأبصار، و لا جعلت لهم الأفئدة فى ذلك الأوان إلاّ و قد أعطيتم مثلها فى هذا الزّمان. و اللّه ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه، و لا أصفيتم
[١] من «تجهمه» أى: استقبله بوجه كريه
[٢] «ثمرها الفتنة» أى: ليست لها نتيجة سوى الفتن و الجيفة: إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار، و الشعار من الثياب: ما يلى البدن، و الدثار: فوق الشعار. و لما كان الخوف يتقدم السيف كان الخوف شعارا و السيف دثارا، و أيضا فالخوف باطن و السيف ظاهر
[٣] «تيك» إشارة إلى سيئات الأعمال و بواطل العقائد، و قبائح العادات، و «هم بها مرتهنون» أى: محبوسون على عواقبها فى الدنيا من الذل و الضعف
[٤] الأحقاب: جمع حقب - بالضم و بضمتين - قيل: ثمانون سنة، و قيل: أكثر، و قيل: هو الدهر